الاثنين، 23 أبريل، 2012

قضية العلمانية 1


عن العلمانية

قضية العلمانية
لعل قضية العلمانية هي واحدة من أكثر القضايا إثارة للضجة والنقاش والجدال والاحتراب          الذي لا يزال دائراً حولها ولم ينتهي في العالم العربي الإسلامي. وقد تعرضت لكثير من التغبيش وسوء الفهم والاختزال المشوه لها وغير المعبر عن كل أبعادها ومراميها الحقيقية، سواء كان ذلك من جانب بعض مؤيديها وأنصارها، أو من جانب خصومها ومناهضيها من الإسلاميين.

هنالك خلاف حول الاشتقاق اللغوي للعلمانية Secularism :
هل تُنسب إلى العلم، أي عِلمانية بكسر حرف العين، أم أن نسبتها هي للعَالم، أي عَلمانية بفتح حرف العين؟
وإن كان الرأي الثاني هو الأرجح، يكتب عبد الوهاب المسيري:
" كلمة Secularism الإنجليزية والتي لها نظائرها في اللغات الأوربية مشتقة من الكلمة اللاتينية Saeculum التي تعني العصر أو الجيل أو القرن، وفي لاتينية العصور الوسطى تعني العالم أو الدنيا

أكثر المفاهيم الشائعة والمتداولة للعلمانية في العالم العربي الإسلامي، هو ذلك المفهوم الذي يُعرفها على أنها تلك العملية التي بموجبها يتم فصل الدين عن الدولة، وبالتالي فصل المؤسسة الدينية عن المؤسسة السياسية. وهذا في رأيي فهم جزئي لمفهوم العلمانية.
 وهو ما يوجب علينا ضرورة التمييز من جهة أولى ما بين هذه العلمانية الجزئية وبين العلمانية الشاملة في كليتها.
 وضرورة هذا التمييز إنما يبررها كما ذكرنا الفهم الشائع للعلمانية والذي يختزلها في بعد واحد من أبعادها الكلية وهو البعد القانوني والسياسي المتمثل في الفصل بين الدين والسياسة. 

إن النظر المختزل للعلمانية بوصفها (فقط) فصل الدين عن الدولة، يسطّح من مفهوم العلمانية ويضيق من مفهومها الواسع والعميق.
 إن فصل الدين عن الدولة هو (جزء) من الموقف الشامل للعلمانية من الإنسان والعالم والقيم والسياسة.
 ولكي يتم إدراك أهمية هذا الفصل بشكل صحيح فيجب النظر إليه انطلاقاً من الأساس الفلسفي الذي أسس للموقف العلماني، والذي هو بمثابة الإطار الكلي الذي تمت فيه وبه عملية الفصل بين الدنيوي والأخروي.

وأيضاً من المفاهيم الخاطئة للعلمانية المماهاة والمطابقة التامة من ناحية الدلالة والمعنى بين العلمانية واللادينية.
فها هو أنور الجندي في مدخل كتابه (سقوط العلمانية)، يكتب:
" الواقع أن لفظ علمانية هو ترجمة للكلمة اللاتينية Secular ومعناه في اللغات الأوربية: لا ديني" ونلاحظ الخطأ الذي وقع فيه الجندي، فالمقابل اللاتيني لكلمة العلمانية هو Saeculum وليس Secular الإنجليزية والتي تترجم إلى علماني.
 وبغض الطرف عن هذا الخطأ، فإن ما يهمنا في ظل السياق السابق، إنما يتمثل في لفت الانتباه إلى أن العلمانية لا تعنى اللادينية بأي وجه من الوجوه كما يروج البعض لذلك، فالعلمانية ليست موقفاً معادياً للدين ومنكراً له،
 وإنما هي (في هذا السياق) موقف ضد تسييس الدين والزج به إلى مجالات الحياة العامة، على ذلك يُحصر الدين في دائرة الحياة الخاصة بالفرد، فهو علاقة خاصة وشخصية بين الإنسان المؤمن وبين الله. 

يكتب فؤاد زكريا:
" إن ما تريده العلمانية إن هو إلا إبعاد الدين عن ميدان التنظيم السياسي للمجتمع والإبقاء على هذا الميدان بشرياً بحتاً، تتصارع فيه جماعات لا يمكن لواحدة منها أن تزعم أنها هي الناطقة بلسان السماء.
 فأساس المفاضلة بين المواقف المختلفة يجب أن يكون العقل والمنطق والمقدرة على الإتيان بالحلول الواقعية الناجحة.
 فأية دعوة إلى الارتكاز على سند سماوي في هذا الصراع إنما هو تضليل يخفي وراءه رغبة دفينة في إلغاء شروط هذا الصراع أصلاً" 

وبالرغم من صحة ما يذهب إليه فؤاد زكريا، إلا أننا نلحظ بشكل واضح اقتصار تركيزه على الاعتبار الأخلاقي للعلمانية المتمثل في بعدها القانوني السياسي، ويهمل في الوقت ذاته أساسها الابستمولوجي بوصفها موقفاً من طبيعة المعرفة بالأساس.
 وهو الأمر الذي يقع فيه كثير من العلمانيين، والذي يرصده عادل ضاهر، بقوله:
" إنهم يركزون على الاعتبارات الخلقية التي تتعلق بالحريات والحقوق ويهملون الاعتبارات الأبستمولوجية وما يتعلق منها، بخاصة، بالاستقلالية الأبستمولوجية للعقل الإنساني.
 إنهم يرون في تحكيم الدين في جميع الأمور الروحية والزمنية تهديداً خطيراً لاستقلالية الإنسان على المستوى الخلقي والسياسي، ولكنهم نادراً ما يشيرون إلى خطره على الاستقلالية الأبستمولوجية للعقل" 

ومن جهة أخرى، بصور الإسلاميون العلمانية على أنها تهدف إلى استئصال الإسلام، ويضعون الإنسان العربي في موقف الاختيار:إما الإسلام أو العلمانية
(وهو ما يعني وفقاً لهذه المفاضلة أن العلمانية تعادل الكفر والمروق من الدين).
 في ذات السياق، يكتب صلاح الصاوي في مقدمة كتابه (موقف الإسلام من العلمانية) ما يلي:
" لا يخفى على المتأمل في وقائع هذا المعترك الفكري أنه يوشك أن يسفر عن مواجهة محتومة ينحاز فيها الناس إلى فسطاطين: فسطاط للإسلام ينحاز إليه دعاة الإسلام وحملة الشريعة ومن يبقى على وفائه لدينه من الأمة. وفسطاط للعلمانية ينحاز إليه دعاة التغريب وعبدة الهوى وخصوم الشريعة من كل ملة" 

ونقول أن مثل هذا التصورات التي تقيم مقابلة بين الدين والعلمانية، هي تصورات تُخطيء بشكل متعمد المفهوم الحقيقي للعلمانية، حين تصورها على أنها تهدف إلى محاربة الدين وعزله عن المجتمع، وهو تصور غير صحيح، فالعلمانية لا تحارب الدين ولا تهدف إلى عزله عن المجتمع، وإنما تعزل الدين عن المؤسسات التي تنظم شئون المجتمع.
وذلك وفق مسوغات مفاهيمية عقلانية بناءاً عليها يقوم الموقف العلماني في شموليته وكليته.

فالعلمانية هي " موقف شامل ومتماسك من طبيعة الدين وطبيعة العقل وطبيعة القيم وطبيعة السياسة" 
والمسوغ العقلي للعلمانية إنما يتمثل في التسليم بقدرة الإنسان على تنظيم شؤون حياته سياسياً وقانونياً واقتصادياً ..الخ، هذا التنظيم للحياة إنما يقوم على أساس من سلطة العلم والمنطق والعقل وباستقلال تام عن أي منطلقات دينية.
 في حين أن حركات الإسلام السياسي والجماعات المسيسة للدين الإسلامي، تنطلق من مسوغات دينية سواء في رفضها القاطع للعلمانية، أو في رؤيتها لتنظيم جميع مجالات الحياة الإنسانية بشقيها العام والخاص استناداً وانطلاقاً من أسس دينية لا عقلية.
 ونعتنا لهذه الأسس الدينية باللا عقلية إنما يستمد معقوليته من رفضها لإخضاع الدين لسلطة العقل.
وهو الأمر الذي يعني كما ذهب إلى ذلك عادل ضاهر:
" أن الإنسان لا يمكنه أن يعرف، باستقلال عن اللجوء إلى تعاليم الإسلام، كيف ينظم شؤون حياته الاجتماعية والسياسية والقانونية والاقتصادية" وهنا تكمن النزعة اللا عقلانية. 
ولذلك فالمنظر الإسلامي مطالب بالإجابة عن السؤال التالي:
هل تنعدم منطقياً (وليس دينياً) إمكانية قيام الإنسان بتنظيم كافة شئون حياته دون اللجوء إلى الدين؟! 
إذا كانت الإجابة بنعم، فلا خلاف إذن!
إما إذا كانت الإجابة ب(لا) فيجب عليه أن يدعم إجابته بتقديم المسوغات المنطقية القائمة على أساس عقلاني خالص.