الجمعة، 27 أبريل، 2012

الآثار السلبية لهروب رأس المال من الدول النامية


السوق السوداء

تهريب رؤوس الأموال

إن هروب رؤوس الأموال من الدول النامية، يؤدي إلى تعقيد مشكلة المديونية بالنسبة إليها، فمن ناحية يصبح من الصعب إقناع الدول الدائنة بزيادة الإقراض الجديد لهذه الدول، ومن ناحية أخرى يصبح أيضا من الصعب إقناع الدائنين بخفض الديون القائمة، وذلك حينما تترك هذه الدول نسباً جوهرية من الإقراض الجديد، لتعود مرة أخرى إلى الدول الدائنة في شكل هروب لرأس المال.

إن السبب الرئيسي في هروب رأس المال إلى الخارج، هو التدخل الحكومي في حركة رأس المال، حيث تلجأ بعض الحكومات، في الدول النامية، إلى فرض قيود على حركة رأس المال، دخولاً وخروجاً.
 ومن المعلوم أن رأس المال يبحث، دائماً، عن العائد الأعلى في أي مكان في العالم.
 لذا فإن قيوداً على حركة رأس المال في بلد ما، مع وجود فرص أفضل في أماكن أخرى من العالم؛ستفضي حتماً إلى تهريب رأس المال.

وتوجد سبل عديدة لهروب رأس المال إلى الخارج.
 فقد يتم الهروب بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر.
 كما قد تتضمن العملية أكثر من طرف، وفي بعض الأحيان أكثر من دولة، وذلك قبل أن تصل رؤوس الأموال إلى الدولة المقصودة.
 
ولعل أبسط أشكال هروب رؤوس الأموال إلى الخارج هو الهروب في شكل نقدي، سواء في صورة عملة محلية أو أجنبية، وربما يكون الدافع الأساسي للتهريب بهذه الطريقة هو السرية، حيث قد تتمثل المصادر الرئيسية لهذه الأموال في المعاملات التجارية غير القانونية، أو الرشاوى، أو التهرب الضريبي.

 كما قد يتم هروب رؤوس الأموال من خلال التهريب السلعي.
 كذلك، من المتعارف عليه، أن الرشاوى والعمولات على الصفقات الضخمة من الأمور الشائعة في الأعمال التجارية الدولية، والتي غالباً ما تجد طريقها إلى الخارج؛ خشية انكشاف أمرها.
 
كذلك فقد يشارك المصدرون والمستوردون في عملية تهريب الأموال، وذلك من خلال عمليات تزييف الفواتير في معاملات التجارة الخارجية، إما من خلال المغالاة في قيمة الواردات، أو من خلال إبخاس قيمة الواردات.
 
كما قد تتم عمليات الهروب، من خلال الترتيبات المتبادلة بين المقيمين في دولتين أو أكثر، وذلك من خلال الإقراض والاقتراض، في آن واحد، بين طرفين داخل وخارج الدولة.
 
ويضاف إلى هذه الأدوات أداة أخرى لهروب رؤوس الأموال، وهي هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، من خلال استيراد السلع المعمرة.

 ذلك أن المغالاة في معدل الصرف الأجنبي، مع وجود قيود على تحركات رؤوس الأموال، تؤدي إلى زيادة التوقعات حول نقص قيمة العملة مستقبلاً، واستجابة لهذه التوقعات، يقوم المستثمرون، في هذه الدول، بزيادة وارداتهم من السلع المعمرة، والسلع الرأسمالية؛ لتحقيق أرباح حينما تتحقق توقعاتهم.

وعلى الرغم من أن هروب رؤوس الأموال يتم أساساً بدافع الاستثمار في أصول خارجية، فإنه، عادة، ينظر إليه على أنه معاملة غير قانونية، وقد يرجع ذلك إلى أن هروب رؤوس الأموال يعد مخالفة لقوانين الرقابة على انتقالات رأس المال المفروضة بواسطة السلطات.

عرف هروب رؤوس الأموال بأنه يضم كل الأصول الخارجية المسجلة وغير المسجلة، بما في ذلك مشتريات الأصول المالية الأجنبية والاستثمار الأجنبي المباشر، إضافة إلى الأصول الحقيقية المملوكة للقطاعات البنكية وغير البنكية، سواء كانت عامة أو خاصة، وهو ما يسمى بالمفهوم الواسع للهروب.

ويعرف هروب رؤوس الأموال بأنه الأصول الخارجية المملوكة بواسطة القطاع الخاص، والتي لا تولد دخلاً مسجلاً في ميزان المدفوعات للبلد، وهو المعيار الذي استخدم للتفرقة بين ما يمكن اعتباره تدفقاً عادياً لرأس المال، وما يمكن اعتباره هروباً له.
 
باعتبار أن هروب رأس المال يعود، في أحد أسبابه، إلى عمليات تعديل محفظة الأوراق المالية، والناتجة عن تدهور غير عادي في عوائد و/أو المخاطرة المرتبطة بمحفظة الأوراق المالية، الخاصة بالأصول الموجودة في الداخل والخارج.

الآثار السلبية لهروب رؤوس الأموال:

1. الأثر على الاستثمار وفرص النمو في المستقبل

يعكس هروب رؤوس الأموال فروقاً بين معدلات العائد الخاص والعائد الاجتماعي على رأس المال المستثمر.
ومما لا شك فيه، أن رأس المال يعد من العناصر الحيوية للتنمية في الدول النامية، وهروب مثل هذا العنصر النادر، لن يساعد هذه الدول على أن تواجه الاحتياجات التمويلية لبرامج الاستثمارات اللازمة للتنمية الاقتصادية.
 
كذلك من المعلوم أن نقص موارد الصرف الأجنبي سمة من السمات الشائعة للاقتصاديات النامية. 

وحينما يستخدم النقد الأجنبي لتمويل عمليات هروب رؤوس الأموال إلى الخارج، فإن مستويات الواردات سوف تتأثر، سواء كانت ورادات رأسمالية أو وسيطة.

 وهذا ما يؤثر على مستويات نمو الناتج القومي لهذه الدول.

وقد قدم باستور "1990" دليلاً عملياً على أن هروب رؤوس الأموال كان من الممكن أن يزيد معدل النمو في المكسيك، بمعدل 2% ـ 4%، وذلك إذا ما تم الاحتفاظ بهذه المدخرات في الداخل، ولم تخرج في صورة هروب لرأس المال.

2. الأثر على القاعدة الضريبية

يؤدي هروب رؤوس الأموال إلى الإقلال من الإيرادات الحكومية من نواح عديدة.
 
فالآثار السلبية للهروب على النمو تقلل من القاعدة الضريبية، ومن حصيلة الضرائب.
 
وكذلك فإن هروب رؤوس الأموال يقلل من رصيد الثروة والدخول، مما يعني تآكل القاعدة الخاضعة للضريبة.
ويؤدي انخفاض القاعدة الضريبية إلى مزيد من عجز الميزانية العامة للدولة، ومن ثم الميل نحو المزيد من الاقتراض؛ للوفاء باحتياجات الإنفاق العام.

 وإذا لم تكن مصادر الاقتراض المحلي كافية، فقد تلجأ الحكومة إلى فرض المزيد من الضرائب سهلة التحصيل، مثل ضريبة المبيعات، أو قد تلجأ الحكومة إلى التمويل التضخمي، على أن لجوء الحكومة إلى التمويل التضخمي، سوف يؤدي إلى مزيد من هروب رؤوس الأموال إلى الخارج.

3. الأثر على السياسة النقدية

قد يكون الأثر الكامن لهروب رؤوس الأموال على السياسة النقدية خطيراً، خصوصاً في أوقات الأزمات، فالأزمات السياسية أو الاقتصادية سوف يترتب عليها مزيد من هروب رؤوس الأموال. 

ولمواجهة هذا الهروب قد تتخذ مجموعة من الإجراءات؛ لتعديل أدوات السياسة النقدية، بما فيها التعديل السريع لمعدلات الفائدة والصرف الأجنبي.
 
فإذا كان معدل الفائدة حراً يخضع لظروف العرض والطلب، فإن التوقعات المتزايدة حول تخفيض قيمة العملة، سوف تدفع معدلات الفائدة إلى الارتفاع، وذلك لمحاولة تقليل هروب رؤوس الأموال.
 
كما قد يترتب على ذلك تدهور الاحتياطات الدولية للدولة لمحاولة تثبيت معدل الصرف، وما يصاحب ذلك من انخفاض في عرض النقود.

الآثار التوزيعية لهروب رؤوس الأموال

يمكن توضيح الآثار التوزيعية لهروب رؤوس الأموال، من خلال تحركات معدل الصرف الأجنبي.
 فمن المعلوم، أن معدل الصرف الأجنبي، بشكل عام، مغالى فيه، في حالة الدول النامية، ويفرض هروب رؤوس الأموال ضغوطاً نحو تعديل معدلات الصرف؛ لتخفيض قيمة العملة المحلية، والعكس في حالة الأصول المقدمة بالعملة المحلية.

كذلك يمكن توضيح هذه الآثار من الناحية الضريبية، حيث يؤدي هروب رؤوس الأموال إلى جعل النظام الضريبي غير عادل في توزيع الأعباء الضريبية، إذ سيقع معظم العبء الضريبي على الأفراد ذوي الدخول المنخفضة.

الأشكال المختلفة لهروب الأموال إلى الخارج
إيداع الأموال الناتجة عن عمليات أو نشاطات ممنوعة قانوناً، في البنوك الخارجية، مثال ذلك الأموال الناتجة عن التهريب والمتاجرة في السلع الممنوعة قانوناً، ومعاملات الأسواق السوداء وغيرها.
إيداع مبالغ نقدية من قيمة الديون الخارجية المقترضة من الخارج، بأسماء أفراد في بنوك أجنبية في شكل عمولات أو رشاوى، في حالة صفقات استيراد المواد الغذائية، وصفقات السلاح، والبترول وغيرها.

إنشاء فروع لشركات أجنبية وهمية؛ لتحويل الأموال إلى الخارج.
التلاعب في قيم فواتير الصادرات والواردات، بالاتفاق بين المصدرين والمستوردين، وإيداع الفرق بين القيم الحقيقية المدونة بالفواتير في حسابات أفراد بالبنوك الأجنبية.
 ولا يخفى أن ذلك ينعكس بشكل مباشر على قيمة حصيلة الصادرات والمدفوعات، فتقل عن الواردات في ميزان المدفوعات.
إيداع بعض أموال حصيلة مدخرات العاملين بالخارج في بنوك خارجية، وعدم استفادة الدولة من هذه الأموال، التي لم تدخل إلى البلاد من البداية، ومن ثم لم تخرج منها، إلا أنها تبدو في حكم الأموال الهاربة، لعدم قدرة البلاد على الاستفادة منها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

أسباب هروب الأموال
انتشار الفساد السياسي والإداري، والرشوة، ومصادر الكسب غير المشروع، وضعف أجهزة الرقابة، واستغلال النفوذ السياسي، والعمولات، والسمسرة، والتربح من الوظائف العامة؛ وهذا ما يدعو إلى إبعاد هذه الأموال عن المخاطرة الداخلية، التي يمكن أن تتعرض لها في حالة تعقب السلطات الأمنية والرقابية لها في المستقبل.

تدخّل الحكومة في النشاطات الاقتصادية، وخاصة في فرض قيود على حركة رأس المال من الدولة وإليها، مع وجود فرص أفضل، ومشجعة للاستثمار في الدول الأجنبية، مثل الأمان من المخاطر، وارتفاع معدلات الأرباح والفوائد على الودائع، ووجود نظم تأمين على الودائع، ونظم سرية الحسابات المصرفية، وتعدد وتنوع فرص الاستثمار، وعدم وجود ضرائب مرتفعة على دخول غير المقيمين، مع وجود استقرار سياسي، واقتصادي، واجتماعي، ومناخ مناسب للاستثمار بشكل عام.

وجود ركود أو كساد اقتصادي في الدول النامية، وارتفاع أعباء الفائدة على القروض، وانخفاض العائد الحقيقي على الودائع في ظل التضخم، وعدم استقرار السياسات الاقتصادية، وارتفاع أعباء الضرائب المباشرة وغير المباشرة... الخ.

تضاؤل فرص الاستثمار، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، ووجود نظم الرقابة على النقد، والأسواق السوداء للعملات الحرة وغيرها، مما يؤدي إلى عزوف المدخرين عن توظيف أموالهم داخل البلاد، وتفضيل توظيفها خارج الحدود للاستثمار في الأصول الأجنبية.

المعوقات الإدارية، والإجراءات المتشددة للحصول على التراخيص وتخليص الجمارك، والمحاسبة الضريبية، وتعسف أجهزة التفتيش، والرقابة، والمتابعة، وتعددها وتضارب اختصاصاتها، والتعرض لمخاطر تنازع الجهات السياسية، على حقوق التراخيص بمزاولة النشاط، واحتمالات إزالة المشروع الاستثماري، والانتظار طويلاً لإجراءات التقاضي والمنازعات المدنية حول الحيازة والملكية... الخ.