الجمعة، 27 أبريل، 2012

قضية العلمانية 2


عن العلمانية (2)

قضية العلمانية
1/ من أكثر الحجج التي يوظفها مناهضي العلمانية من جانب المسيسين للدين الإسلامي:
الحجة المتعلقة بنشأة العلمانية، وسأطلق عليها أسم (حجة النشأة) ومنطوقها كالتالي:
لم تنشأ العلمانية في العالم العربي الإسلامي، ولم يعرفها المسلمون عبر تاريخهم الإسلامي، وإنما صدرت العلمانية من أحضان أوربا المسيحية، وكان ظهور العلمانية في أوربا كمحصلة للصراع الطويل ضد سيطرة الكنيسة على كل مجالات الحياة.
 لنستمع إلى صلاح الصاوي في كتابه (موقف الإسلام من العلمانية)، حيث يكتب في سياق نشأة العلمانية التالي:
" لم تنشأ العلمانية في بلاد المسلمين، ولم تعرفها أرض المشرق بصفة عامة، وإنما كانت نشأتها في أوربا الصليبية في أعقاب صراع طويل بين الكنيسة وبين السلطة الزمنية حيث سيطرت الكنيسة على كل شيء، فالعلم والتربية والأخلاق والسياسة والاقتصاد والحكم والأدب والفن مرده إلى سلطان الكنيسة، وكل ما خالف تفسيرات الكنيسة ومقولاتها فهو باطل، وكل من اعتنق شيئاً مخالفاً لما تقول به الكنيسة وجبت محاكمته، وربما وصل بهم الأمر إلى إعدامه حرقاً" 

ويكتب أيضاً:
" إن علاقة الدين بالدولة في تاريخ القرون الوسطى جعل من رجال الدين المسيحي طبقة تمثل السيطرة والاستعلاء والاضطهاد والتعصب، ولكن علاقة الدين بالدولة في عصور الإسلام الزاهرة لم تخلق هذه الطبقة، إذ الإسلام نفسه لا يعترف بوجودها، فكيف يعترف بحقها في السيطرة والاستعلاء؟
 أن ربط الدولة بالدين في أوربا أدى إلى اضطهاد الفكر، وخنق الحريات وقيام الحروب الدينية المفجعة، وخضوع الناس لكابوس الخرافة والجهالة والبؤس" 

لنتساءل الآن عن مدى التماسك المنطقي لهذه الحجة (حجة النشأة)، 
وما الذي تقوله وتصرح به؟
 وما الذي تضمره وتسكت عنه؟
 ما يُصرح به منطق (حجة النشأة) هو:
إن العلمانية بضاعة غربية لم تنبت في أرضنا، ولا تستقيم مع عقائدنا ومسلماتنا الدينية، وأن السياق التاريخي الذي أدى إلى نشؤها في الغرب ينعدم عندنا في العالم العربي الإسلامي.
 ولذلك فإن الأسباب والعوامل التي أدت لنشأة العلمانية في الغرب، هي عوامل تخص تجربتهم التاريخية والدينية، وعلى ذلك لا يجوز لنا في العالم الإسلامي أن نقلدهم، فديننا مختلف عن دينهم المحّرف وتاريخنا أيضاً مختلف عن ظرفهم التاريخي الذي أدى إلى ظهور العلمانية.
 والنتيجة التي تمثل الخلاصة النهائية لهذا المنطق هي: أن العلمانية لا تمت لنا بصلة لا من قريب ولا من بعيد. 

إذن المنطق الذي يحكم (حجة النشأة) يمكن ترتيبه كالتالي:
المقدمة الأولى: في السياق الأوربي: ارتبطت العلمانية في نشأتها بوضعية تاريخية محددة، تمثلت واحدة من أبرز سمات هذه الوضعية في السيطرة الكاملة للكنيسة على كافة مناحي الحياة الإنسانية في العصور الوسطى.
المقدمة الثانية: الوضعية التاريخية للعالم العربي الإسلامي تختلف عن الوضعية التي سادت في العصور الوسطى، والتي أدت إلى نشأة العلمانية في الغرب.
 وطبيعة الدين الإسلامي تختلف عن طبيعة الديانة المسيحية، وتحديداً فيما يختص بعلاقة الزمني بالمقدس،
 فإذا كانت طبيعة الديانة المسيحية تحمل بذرة فصل ما هو زمني عن ما هو ديني ـ وفي هذا السياق يورد دعاة الإسلام السياسي، المقولة التي تنسب للمسيح: (أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله)
 ـ في حين يدّعون أن الإسلام دين ودولة، وبالتالي فلا يمكن الحديث داخل هذا الإطار الإسلامي عن الفصل بين الدين والسياسة.

النتيجة المترتبة على هاتين المقدمتين: العلمانية لا تمت بصلة سواء أكان للإسلام كدين أو كان لواقع المسلمين. 

من جانبي، أتفق تماماً مع المقدمة الأولى التي تأسس عليها منطق (حجة النشأة) والمتمثلة في الوضعية التاريخية التي أدت إلى نشأة العلمانية في سياق الصراع ضد سيادة الكنيسة وطغيانها على كافة مناحي الحياة في العصور الوسطى. 
إلا أنني أختلف مع النتيجة النهائية المترتبة على المقدمة الثانية التي تزعم أن العلمانية لا تمت بصلة بواقع العالم العربي الإسلامي.
 فهذه النتيجة أُسست على مقدمة خاطئة وزائفة، وإذا ما نجحنا في دحض المقدمة الثانية، فذلك يعني تهاوي وسقوط النتيجة التي تلزم عنها.

فلنبدأ إذن في تبيان تهافت المقدمة الثانية، ولنطرح السؤال التالي: 
هل تختلف سيطرة الكنيسة على كافة مناحي الحياة في العصور الوسطى، والتي أدت إلى نشأة العلمانية في الغرب عن دعوة ( إن لم نقل سيطرة) رجال الدين الإسلامي إلى إخضاع كافة مناحي الحياة على مستوى العالم العربي الإسلامي إلى سيطرة الدين؟
و المقام هنا ليس مقام استرسال في سرد تاريخي للكيفية التي أدت إلى تبلور العلمانية في الغرب، وهي معروفة للجميع.
 على ذلك سأركز على الوضعية التاريخية للعالم العربي الإسلامي، فهي مربط العقدة.
 فلا زال الإسلاميون يتعاملون مع المسلم المفكر ـ ناهيك عن الآخر الذي لا يشاركهم الملة ـ الذي يختلف معهم في ما يفهمونه عن الإسلام على أنه كافر، مثلما ما حدث مع عدد كبير من المفكرين في العالم العربي
 أمثال: علي عبد الرازق، طه حسين، محمود محمد طه، عاطف العراقي، فرج فودة، نصر حامد أبو زيد، محمد عابد الجابري، حسن حنفي، محمد أركون، فؤاد زكريا، سيد القمني، والقائمة تطول.
 كلهم تم تكفيرهم من جانب الإسلاميين، والبعض منهم تمت تصفيته جسدياً بعد أن عجزوا عن مقارعته بسلاح الحجة والمنطق والعقل.
 وهو الشيء الذي يعني أن هؤلاء الإسلاميون قد حولوا الدين الإسلامي إلى كهنوت، عبر توسطهم بين الفرد المسلم وربه.
 فهم الذين يحددون نيابة عن الله، من هو المؤمن ومن هو الكافر، ومن هو الفاجر، ومن هو الفاسق..الخ.
 أليست مثل هذه التصورات والممارسات تشبه تلك التي مارستها محاكم التفتيش في أوربا أبان عصورها الوسطى.
 وهم على ذلك يمارسون السيطرة باسم الدين، واضطهاد كرامة الإنسان باسم الدين، والكراهية وبذر الفرقة الاجتماعية كل ذلك تحت مظلة الدين.
 والأخطر من ذلك ممارستهم للحكم وللسياسة باسم الدين، ومكمن الخطورة يتمثل في أن إدعاء احتكار الفهم الصحيح للدين وسلطة تمثيل الله في الأرض،
 " يُعطي امتيازاً معرفياً في المجال العام لمن يلجأ إلي سلطة النص المقدس لتسويغ موقفه إزاء أي قضية من النوع السياسي أو الاجتماعي يفترض أنها مشمولة بهذه النصوص...
 إن إقامة السياسة على الدين لا يعطي رجال الدين امتيازاً معرفياً فحسب، بل إنه يضعهم في مستوى أخلاقي وروحي فوق مستوى البشر الذين يؤسسون السياسة على أسس علمانية"
وعلى ذلك فكل من يتجرأ ويخالف مقولاتهم وتفسيراتهم وتأويلاتهم للإسلام فهو على باطل، وكل من اعتنق شيئاً مخالفاً لما يقولونها وجبت محاكمته، وربما وصل الأمر بهم إلى تصفيته جسدياً مثل حدث ذلك مع الكثيرين طوال تاريخنا الإسلامي، سواء كان ذلك في ماضينا أو في حاضرنا.
 وهذا هو جانب يسير من النتائج المترتبة على المستوي الأخلاقي العملي الذي تفرزه لنا عملية تسييس الدين وتديين السياسة المتمثلة في مبدأ أن الإسلام لا يوجد فيه فصل بين الدين والسياسة. 

2/ الحجة الثانية التي يستخدمها المسيس للدين الإسلامي في مناهضته ومحاربته للعلمانية:
هي الحجة التي يمكن لنا تلخيصها في العبارة التالية:
العلمانية والإسلام ضدان لا يجتمعان، وبالتالي فأمام المسلم خياران لا ثالث لهما: إما الإسلام، وإما العلمانية.
 والنتيجة النهائية التي تقودنا إليها هذه الحجة هي أن العلمانية ليست من الإسلام، وكل ما هو ليس من الإسلام فهو كفر، سواء أكان كفراً صريحاً أو كفراً مضمراً.
 وربما يتم في السياق نفسه توظيف البدعة، والقول على ذلك بأن العلمانية بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
 وعلى ذلك تزعم هذه الحجة كفرانية العلمانية وضلالها وفسوقها ولا دينيتها..الخ.
 ودائماً ما يورد الإسلاميون هذه الحجة في سياق موقف الإسلام من العلمانية.
 سأطلق على هذه الحجة أسم: (حجة لا دينية العلمانية).
وسأقدم نموذجاً لها من كتاب صلاح الصاوي الذي أشرت له سابقاً، يكتب الصاوي:
" العلمانية والإيمان نقيضان، فإن الإيمان يقتضي الانقياد والإذعان لما جاء من عند الله، والعلمانية تقتضي التمرد على الوحي، والكفر بمرجعيته في علاقة الدين بالحياة، وإطلاق العنان للأهواء البشرية بلا حدود...
 والعلمانية بهذا النحو لا تجتمع مع أصل دين الإسلام، بل إن شئت الدقة لا تجتمع مع أصل دين سماوي بوجه من الوجوه، فهي شرك في التوحيد ونقض للإيمان المجمل، وهي ثورة على النبوة، وهدم لأصل الدين وحقيقة الإسلام" 

لنضع المنطق الذي تتأسس عليه (حجة لا دينية العلمانية) موضع الفحص والاستنطاق والتحليل الرصين:
سنلاحظ أن هذه الحجة يُمارس عبرها دعاة الإسلام السياسي الإيحاء لغالبية البسطاء بأن العلمانية في مواجهة عدائية مع الإسلام، وبالتالي على المسلمين محاربة العلمانية نصرة للدين. 

والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل هذا السياق هو:
هل فعلاً توجد علاقة ضرورية بين تبني العلمانية من جانب المتدينين وبين رفض الدين؟
 بطريقة أخرى: هل شرط لكي أكون علمانياً أن لا أكون متديناً؟
والإجابة المباشرة على هذا السؤال: لا، لا توجد علاقة ضرورية بين تبني العلمانية وبين رفض الدين وترك التدين.
 فليس شرطاً أن أكون لا دينياً حتى أكون علمانياً، ومثلما هناك علماني لا ديني، هناك أيضاً علماني متدين. 

3/ من جانب آخر، نود التأكيد على أن العلمانية تحمي المؤمنين من خطر الاستبداد الديني
 الذي يُمارسه رجال الدين والجماعات السياسية الدينية الذين يدّعون احتكار حقيقة النص الديني واحتكار تمثيل الله.
بالتالي فكل من يتحدى سلطة رجال الدين فإنه يتحدى سلطة الله.
 وعلى مرّ التاريخ الإسلامي نجد أن حكام المسلمين كانوا يستمدون شرعيتهم من الدين الذي صاغه فقهاء السلطان، حيث وظف الفقه السلطاني الدين الإسلامي توظيفاً سياسياً كانت غايته العليا إضفاء الشرعية على سلطة الحاكم الجائر والظالم.
 هنا الفقه في خدمة السلطان، الدين في خدمة السياسة:
وخير دليل على ما ذهبنا إليه كتاب الإمام الغزالي(ت505هـ):
(فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية)، الذي يقول في مقدمته ما نصه:
" أما بعد فإني لم أزل مدة المقام بمدينة السلام متشوفاً إلى أن (أخدم) المواقف المقدسة النبوية الأمامية المستظهرية•(المقصود الخليفة العباسي أحمد المستظهر بالله) ضاعف الله جلالها ومد على طبقات الخلق ظلالها بتصنيف كتاب في علم الدين (أقضي) به شكر النعمة و(أقيم) به رسم الخدمة و(اجتني) بما أتعاطاه من الكلفة ثمار القبول والزلفة.
 لكني جنحت إلى التواني للتحري في تعيين العلم الذي أقصده بالتصنيف وتخصيص الفن الذي يقع موقع الرضا من الرأي النبوي الشريف، فكانت هذه الحيرة تغبر في وجه المراد وتمنع القريحة عن الإذعان والانقياد حتى (خرجت) الأوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية (بالإشارة) إلى (الخادم) في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية مشتمل على الكشف عن بدعهم وضلالاتهم وفنون مكرهم واحتيالهم ووجه استدراجهم عوام الخلق وجهالهم وإيضاح غوائلهم في تلبيسهم وخداعهم وانسلالهم عن ربقة الإسلام وانسلاخهم وانخلاعهم وإبراز فضائحهم وقبائحهم بما يفضي إلى هتك أستارهم وكشف أغوارهم" 

ولو تمعنت في مقدمة كتاب الغزالي هذه ـ وخاصة ما قمنا بوضعه بين قوسين وما أبرزناه بتسويد خطه ـ لظهر لك بشكل واضح وجلي لا لبس فيه ولا غموض تبعية ما هو ديني لما هو سياسوي، وبالتالي تبيان الكيفية التي تم بها تسخير الدين في خدمة أغراض السلطان، وعلى ذلك يصبح الدين مجرد (تابع وخادم) يدور في فلك السياسة والسلطان،
 فالهم (الأيديولوجي) للغزالي من كتابه هذا إنما نستشفه ونفهمه في الجهود الجبارة التي بذلها الإمام الغزالي في سعيه لإضفاء الشرعية على الخليفة العباسي آنذاك،
 وهو الهدف الذي يكون أوضح ما يكون في الباب التاسع من كتابه والذي جعل عنوانه:
" في إقامة البرهان الفقهي الشرعي على أن الإمام الحق في عصرنا هذا هو الإمام المستظهر بالله حرس الله ظلاله"
 وفي ظني أن هذا الباب هو الغرض الأساسي والهدف المنشود من تأليف هذا الكتاب،
 وهو ما يؤكده الغزالي نفسه ـ في الباب الأول الذي أعرب فيه عن منهجه الذي استنهجه في هذا الكتاب ـ بقوله:
" ثم نختم الكتاب بما هو السر واللباب، وهو إقامة البراهين الشرعية على صحة الإمامة للمواقف القدسية النبوية المستظهرية، بموجب الأدلة العقلية والفقهية، على ما أفصح في مضمونه ترجمة الأبواب"
 ويؤكد نفس المعنى في فاتحة الباب التاسع بقوله:
" والمقصود من هذا الباب: بيان إمامته على وفق الشرع، وأنه يجب على كافة علماء الدهر الفتوى، على البت والقطع، بوجوب طاعته على الخلق ونفوذ أقضيته بمنهج الحق، وصحة توليته للولاة وتقليده للقضاء، وبراءة ذمة المكلفين عند صرف حقوق الله تعالى إليه، وأنه خليفة الله على الخلق، وأن طاعته على كافة الخلق فرض"
 وفي سبيل تحقيق هذا الهدف (الأيديولوجي) كان لا بد من تسخير الدين كأداة وتوظيفه في ضرب خصوم السلطان ومعارضيه ومن يدعون إلى الخروج عليه ( الباطنية)، وهي المهمة التي أداءها الإمام الغزالي على أكمل وجه وأتم صورة في هذا الكتاب، حيث خصص الباب السابع في إبطال استدلالهم بالنص على نصب الإمام المعصوم.
بل إن الإمام الغزالي يذهب أبعد من ذلك بتكفيرهم والفتوى بسفك دمهم، وهو ما نقرأه بشكل لا لبس فيه من عنوان الباب الثامن " في مقتضى فتوى الشرع في حقهم من التكفير والتخطئة وسفك الدم" 

وما هو جدير بالملاحظة إنما يتمثل في التناقض الذي وقع فيه الغزالي:
ففي الوقت الذي يسعى فيه الغزالي إلى تبيان فساد معتقد الروافض والباطنية( المعارضة السياسية للخلافة العباسية آنذاك) عن الإمامة المتمثل في قولهم " أن الإمام يساوي النبي في العصمة والإطلاع على حقائق الحق في كل الأمور، إلا أنه لا ينزل عليه الوحي، وإنما يتلقى ذلك من النبي فإنه خليفته وبإزاء منزلته"
 نقول أنه في نفس الوقت الذي يبين فيه الغزالي فساد معتقد معارضي السلطان وقولهم بعصمة أئمتهم، نجده يصدر من نفس المنظور الذي ينتقده، صابغاً على الخليفة العباسي نفس العصمة التي ينتقدها في مذهب الخصوم، حيث يصفه ب " المواقف المقدسة النبوية الإمامية المستظهرية"، و" الرأي النبوي الشريف"، و" الأوامر الشريفة المقدسة النبوية"..الخ.

هكذا نفهم الدور الخطير الذي لعبه الفقه الإسلامي في توطيد دعائم أركان السلطة من خلال توظيف وتسخير الفقه كأداة فعالة في إضفاء الشرعية على السلطة الحاكمة والتنكيل بمعارضيها وتكفيرهم والفتوى بإحلال سفك دمهم، ففي ظل الفقه السلطاني الذي لا يفصل بين الدين والسياسة، يتحول المعارض السياسي والثائر المسلم إلى كافر يتوجب جهاده،
 وفي ذلك يقول الغزالي: " ولو نبغت نابغة في طرف من أطراف الأرض على معادة هذه الدولة الزاهرة ـ يقصد الدولة المستظهريةـ لم يكن فيهم أحد إلا ويرى النضال دون حوزتها جهاداً في سبيل الله نازلاً منزلة جهاد الكفار" 

وفي ظل تسييس الدين وتديين السياسة، نرى السلطان نداً لله:
خطب الخليفة المنصور العباسي في الناس فقال:
" أيها الناس، إنما أنا سلطان الله في أرضه، أسوسكم بتوفيقه ورشده، وخازنه على ماله، أقسمه بإرادته وأعطيه بإذنه، وقد جعلني عليه قفلاً إن شاء فتحني وإن شاء أغلقني"
 ويورد ابن تيمية في معرض حديثه عن ضرورة الإمارة:
" ولهذا روي ( إن السلطان ظل الله في الأرض)، ويقال: ( ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان) وكما يجب طاعة الله كذلك يجب طاعة السلاطين، وألا ننزع يداً من طاعتهم.
 ولا يجب أن ندعو عليهم وإن جاروا علينا بل على العكس يجب أن ندعو لهم بالصلاح والمعافاة. وكما يجب الصبر على القدر الإلهي كذلك يجب الصبر على جور الأئمة، وكما يُحرم عصيان الله كذلك يُحرم الخروج على الحاكم.
 " كيف بدأ الإسلام ديناً يدعو إلى تحرير الإنسان من العبودية والخضوع لغير الله عز وجل إلى دين يوجب على أتباعه الخضوع للرؤساء والعلماء مهما انحرفوا وبدلوا، بدعوى طاعة أولي الأمر؟.....
كيف ندعو شعوب العالم الحر ـ الذي تساوى فيه الحاكم والمحكوم حيث الشعب يحاسب رؤساءه، وينتقدهم علانية ويعزلهم بطرح الثقة بهم، ولا يستطيع الحاكم سجن أحد أو مصادرة حريته أو تعذيبه، إذ الحاكم وكيل عن المحكوم الذي يحق له عزله ـ إلى دين يدعو أتباعه اليوم إلى الخضوع للحاكم وعدم نقده علانية، وعدم التصدي لجوره، والصبر على ذلك مهما بلغ فساده وظلمه، إذ طاعته من طاعة الله ورسوله؟!
 كما يحرم على هذه الشعوب الحرة أن تقيم الأحزاب السياسية أو تتداول السلطة فيما بينها لو دخلت في الدين الجديد؟!" 

وإذا نظرنا إلى الكيفية والطريقة التي بواسطتها وبناءً عليها ذهب فقهاء أهل السنة والجماعة إلى القول بتجويز انعقاد الخلافة بعهد التولية ـ حيث جوزوا أن يعهد الخليفة لابنه من بعده أو أخيه، أو يعهد لأكثر من واحد من أبنائه بعد ترتيب الخلافة بينهم ـ ومتأخراً أضافوا القهر والقوة كطريق ثالث لانعقاد الخلافة.
لوجدنا أن في هذا خلط للدين بالسياسة، بل وتوظيف للدين في خدمة السياسة. وهو الأمر الذي لا مكان له في ظل الدولة العلمانية. 

وأخيراً: إن كنّا قد ركزنا هنا على المسوغ التاريخي والمسوغ الأخلاقي للعلمانية، فسوف أقوم في مقالي القادم بإيراد المسوغ الأبستمولوجي للعلمانية.