الأربعاء، 25 أبريل، 2012

مراجعات فلسفية في مفهوم الحقيقة (1)


مفهوم الحقيقة
مقدمة:
موضوع هذا المقال، يُلقي بنا في فضاء التساؤل عن حقيقة (الحقيقة): 
ما الحقيقة؟
 أهي كامنة في الموضوع؟ أو في الذات العارفة؟
 هل تشارك الذات العارفة في صنعها وخلقها وتشكيلها؟ وبالتالي هل الحقيقة صناعة وخلق وتشكيل؟
 أم أن الحقيقة مستقلة عنّا وموجودة بشكل مسبق وما علينا سوى اكتشافها والوصول إليها؟
 هل هي حصيلة ونتاج العلاقة المعرفية بين الذات والموضوع؟
 أم توجد خارج نطاق العلاقة المعرفية القائمة على ثنائية الذات والموضوع؟ 
هل يمكن أن نجد الحقيقة محبوسة داخل سجن المنطق وتصوراته الصورية والعقل وإنشاءاته الذهنية؟ 
أم أننا بوسعنا تعقل الوجود ولكن ليس بوسعنا إدعاء أن نتيجة ذلك إنما تمثل حقيقة ما نتعقله: حقيقته اليقينية المطلقة؟
 هل ما نتوصل إليه يمثل حقيقة الوجود بالنسبة لنا وكما نراها نحن أي كما نتأولها أم أننا ندرك حقيقة الوجود ذاتها كما هي؟  وهل ثمة وجود للحقيقة في ذاتها؟! 
هل توجد حقيقة مطلقة أم أن الحقائق نسبية؟
 بطريقة أخرى: هل ثمة حقيقة ثابتة بمعنى أنها تسمو على التغير والتطور وتتعالى على التاريخ وترتفع فوق الزمان والمكان؟!
 أم أن الحقيقة دوما متغيرة ومتطورة، ومشروطة تاريخيا بمعنى أنها بنت عصرها ومعارف عصرها؟
 هل توجد حقيقة مكتملة؟ أم أنها دوما ناقصة وترنو وتحلم بالكمال؟!
 أنلتمسها في اتساق الفكر مع نفسه، أم في تطابق الفكر مع العالم الخارجي؟ أم في ...الخ؟
هل الحقيقة غاية أم وسيلة؟
 ألها مقاييس موضوعية تحددها أم هي ذاتية صرفة؟ 

وسنتوقف فيما توقف فيه غادامر من قبل وخاصة في كتابه: (Truth and Method)،
 فقد رأى أن الإشكالية كلها إنما تتمثل في الربط ما بين المنهج والوصول الآلي للحقيقة،
 وسنتساءل هنا عن جدوى الارتباط بين الحقيقة من جهة والمنهج الموصل لها من الجهة الأخرى:
فهل حقاً بوسع أية منهجية أن أتبعناها أن توصلنا إلى (الحقيقة كما هي)؟
 أليس المنهج هو قالب وإطار جاهز تم إعداده مسبقا لنقيس بناءا عليه الحقيقة؟
 ألا يعني ذلك بوجه من الوجوه أن الحقيقة إنما تم تجهيزها وإعدادها بشكل مسبق؟
 ألا يعني أن ما يوصلنا إليه المنهج في خاتمة الأمر ليس الحقيقة وإنما حقيقته هو بالذات؟
 
من جهة أخرى، إذا سلمنا مع وجهة النظر النيتشوية القائلة بأنه لا توجد حقائق وإنما فقط تأويلات، إذا سلمنا بهذا المبدأ النيتشوي فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو:
هل ثمة مبدأ أو معيار يمكن من خلاله القول عن تأويل ما أنه حقيقي؟
 وبطريقة أخرى: هل ثمة معايير نستطيع من خلال استخدامها التمييز بين التأويل الصحيح والخاطئ؟ 
أم أن التأويل لا يكون صحيحا أو خاطئا، بقدر ما يكون غنيا أو فقيرا، خصبا أو عميقا؟
 هل في استطاعتنا القول بأن تأويلا ما هو الأفضل من بين مجموعة تأويلات مختلفة لنص واحد؟
 أو حتى وصف تأويل ما بأنه جيد أو رديء؟
 وبالتالي هل بيان قوة ترجيح تأويل ما في ضوء ما نعرفه هو شيء آخر غير بيان صحة شيء ما؟
 
هل يعني ذلك أنه ليس هناك تأويل حقيقي يقيني، إذ ما دام ثمة تأويل فليس ثمة مجال للقطع والبت، بل ثمة ترجّج واحتمال ومفاضلة؟
وهل يعني ذلك أن حقيقة التأويل الناتج تتجاوز آفاق كونها دالة لصحة المعلومات المستعملة في التأويل،  وإن الاعتبار الأهم هو ما إذا كان التأويل ذاته منتجا أم لا، وما إذا كان يفتح أبعادا للفكر ومسارات جديدة للبحث، أم لا؟
 وإذا عرفّنا الهرمنيوطيقا بأنها فن فهم النصوص: فهل الفهم فهما لحقيقة النص أم بالأحرى خلق لحقيقته؟
 وهل فهم النص يعني التوصل إلى حقيقة أحادية ثابتة وقطعية الدلالة موجودة مسبقا بين ثنايا وجنبات النص؟ ...الخ.
1/ الشك منهجا للوصول إلى الحقيقة:
كان السؤال الأساسي الذي شغل فلاسفة العصر الحديث: ما السبيل إلى بناء معارفنا على مبادئ يقينية ثابتة؟
 والملاحظ أنه منذ "ديكارت"Descartes مرورا بعصر التنوير، حتى التعليق الهوسيرلي، يمتد تراث ضخم وطويل يتخذ من الشك مدخلا منهجيا للوصول إلى الحقيقة.
 وفي ذات السياق، يرى "ديكارت" أنه في سبيل تحقيق هذا الهدف المنشود، فليس أمامنا سوى "الشك" في كل معارفنا السابقة. 
ولذلك فقد اتخذ "ديكارت" من الشك منهجاً لكي " يصل من خلاله إلى تفريغ عقله من كل الأفكار السابقة أياً كان مصدرها وأياً كان نوعها،
 فعلى الفيلسوف أن يبدأ بطرح الأفكار الصادرة عن السلطات أياً كانت، سواء كانت سلطات اجتماعية أو سلطات فلسفية أو سياسية أو غيرها"
 وبالتالي يمكننا اعتبار الشك عند "ديكارت" أولى الخطوات المنهجية في سبيل الوصول إلى الحقيقة اليقينية.
 والتي يسميها "ديكارت" بقاعدة اليقين، وتنص هذه القاعدة على:
" ألا أقبل مطلقا أي شيء على أنه حقيقي ما لم أعرف بوضوح أنه كذلك، أو لنقل: أن أتجنب بحذر التهور والحكم المسبق، وأن لا أدخل شيئا ما إلى حكمي إلا إذا ظهر لعقلي جليا ومتميزا بحيث لا يكون هناك أي مجال للشك فيه" والشك المنهجي هو شك مؤقت، وهو وسيلة وليس غاية بحد ذاته، بمعنى أنه ليس شكا من أجل الشك نفسه.
 وإنما هو وسيلة معرفية تستلزم الشك بصورة مؤقتة حتى نصل إلى الحقيقة اليقينية،
 وبالتالي فإن الشك المنهجي هو مدخل معرفي لا غنى عنه في أية محاولة رامية للوصول للحقيقة.
 وهو بذلك يختلف عن الشك المذهبي الذي هو غاية في حد ذاته، والذي ينكر إمكانية الذات الإنسانية في التوصل إلى الحقيقة اليقينية التي لا خلاف حولها ولا شك فيها.
 في حين أن الوظيفة الأساسية للشك المنهجي من المنظور الديكارتي إنما تتمثل في مساعدة الذات العارفة لكي تتوصل إلى الحقيقة الموضوعية القاطعة، وبالتالي التأسيس اليقيني لكل معارفنا.
 
وبناءا على ذلك بدأ "ديكارت"، متوسلا الشك كمنهج وكأداة، بفحص كل الآراء التي لديه، بهدف البحث عما إذا كان يوجد بين هذه الآراء معارف حقيقية لا يمكن أن يشك فيها بأي حال من الأحوال.
 يقول ديكارت: " على الرغم من أن فائدة الشك بشكل عام قد لا تكون ظاهرة من أول وهلة إلا أنها فائدة عظيمة، ما دامت تمنعنا من إطلاق الأحكام المسبقة، وتمهد للعقل طريقا سهلا للتحرر من الأحاسيس، وأخيرا تجعل من المستحيل علينا الشك بعد ذلك حيثما نكتشف حقيقة"
وهو بذلك يحرص على إزالة كافة العقبات التي تحول بينه وبين الرؤية الفلسفية المعتمدة على نور العقل الفطري، وبالتالي فإن المشروع الفلسفي الديكارتي في تأسيسه المعرفة الإنسانية على أساس يقيني راسخ، له عدة متطلبات من بينها التحرر من التقليد والتبعية الفكرية والتخلص من الأوهام والأحكام السابقة.
 وواضح أن كل ما سبق ذكره لا يمكن إنجازه إلا إذا استثمرنا الشك ووظفناه كأداة معرفية تسهم في تطهير العقل من كل ما هو زائف ولا يقيني.
إذن "ديكارت" يرى أنه لكي يكون بمقدور الذات العارفة التوصل إلى يقين بشأن معارفها،
 فإن مهمتها الأولية والأساسية تتمثل في أن تشك في كل فرضياتها ومعارفها السابقة حول موضوع معرفتها،
 وينبغي عليها أن تطرح جانباً كل معتقداتها المتعلقة بموضوع المعرفة، وأن تخلّف وراءها كل ما ورثته من آراء شائعة ومستوحاة من أصحاب السلطة، أياً كانت هذه السلطة سواء كانت دينية أو اجتماعية أو سياسية..الخ.
 وهي ـ أي الذات ـ بهذا المبدأ تستطيع التخلص من جميع أفكارها الخاطئة والغامضة والمشوهة.
 وبالتالي فإن الشك كمنهج، بهذا المعنى، يُسهم في إيصالنا إلى الحقيقة اليقينية.
 وتنص واحدة من أهم قواعد المنهج الديكارتي، وهي قاعدة اليقين، تنص على:
" ألا أقبل مطلقا أي شيء على أنه حقيقي ما لم أعرف بوضوح أنه كذلك".
 وكان هذا المبدأ هو أحد سمات الفكر الفلسفي الحديث.

شك "ديكارت" طال كل شيء، فهو من جهة يرى أن أقوال السابقين ليست معصومة من الخطأ، كما أن حواسنا كذلك ليست معصومة، وكم خدعتنا حواسنا كثيراً، بحيث لم تعد صالحة للتعويل عليها حتى تفضي بنا إلى اليقين..الخ.
 إلا أنه وجد شيئاً واحدا يظل قائماً، رغم الشك، ألا وهو الشك ذاته:
( فأنا أشك في كل شيء، إلا أنني على يقين من أن هذا الشك ينتابني، وإذن فقد وصلت عن طريق الشك إلى قضية إيجابية يقينية هي: أني أشك، ولما كان الشك وليد التفكير والشك نفسه نوعٌ من الفكر، فأنا أفكر، ولما كان الفكر دليل الوجود فأنا موجود).
 وبذلك يزعم "ديكارت" بأنه استطاع الوصول إلى يقين واضحٍ بذاته ـ مستخدما الشك ـ الذي لخصه في عبارته المشهورة (أنا أفكر، إذن، فأنا موجود).
" إنه يفهم ذاتية وعي الذات بمثابة أساس مطلق اليقين للتصور، وعلى هذا يصبح الموجود برمته العالم الذاتي للأشياء كما تمثل أمام الشعور بينما تصبح الحقيقة يقينا ذاتيا"
ومن هذا اليقين أقام "ديكارت" مذهبه الفلسفي كله.
 وبالتالي أوضح لنا "ديكارت" أن الشك هو السبيل الوحيد الذي يوصلنا إلى اليقين. 
وهو بذلك يرى أن الفكر مبدأ الوجود، محدثا بذلك انقلاباً في عالم الفلسفة، خاصة في مجال المنهج. ومعطيا لمفاهيم "الوضوح" و"المعقولية" معنى جديداً، ومحررا العقل من سلطان الوجود الخارجي، معلنا مبدأه في أن الفكر يكفي نفسه بنفسه.
 ومقيماً بذلك النزعة الفكرية على أساس فلسفي، ومؤكداً المعنى الصحيح لذاتية الفكر الفلسفي، ومرسياً بذلك دعائم الفكر الفلسفي الحديث، وهذا ما جعل منه زعيماً روحياً للمدرسة العقلية الحديثة، مستحقاً بجدارة لقب أبو الفلسفة الحديثة.
 
2/ الشك في الحقيقة أم في (حقيقة) الحقيقة:
أثارت السفسطائية في العصر القديم للفلسفة أزمة حول قضية صدق المعرفة وثباتها، ذلك أن فلاسفتها زعموا أن الصواب والخطأ سيان.
 وأدى هذا الأمر إلى تشكيك الكثيرين في حلم الوصول إلى حقيقة ثابتة نهائية، ما دام الإنسان الفرد هو مقياس كل شيء. 
ومجمل آرائهم أن العالم مشكل، والطريق إلى فهمه متعسر، والآراء فيه متضاربة، والعقل عاجز عن إدراكه.
 ولذلك اختلفت المدارس الفلسفية السابقة في تفسيره، وليس بعضها أولى من بعض، فلابد من الشك فيها جميعاً.
 كما رأوا أن الحواس وحدها هي مصدر المعرفة،
 وهي متغيرة لا تثبت على حال واحدة، ثم هي تختلف باختلاف الأفراد،
 كما تتأثر بالمحسوسات التي هي أيضاً في تغير دائم،
 فتجئ أحكامها على الشيء الواحد مختلفة باختلاف أحوال الزمان والمكان، وباختلاف أحوال الأفراد من صحة أو مرض، وباختلاف درجات ثقافاتهم،
 بل ربما تعارضت هذه الأحكام وتقابلت، ولذلك فمن الصعب الوصول إلى حقيقة ثابتة، فالحقائق إذن نسبية متغيرة.
 وليس هنالك حقيقة عامة مطلقة.
 وهو الأمر الذي أكده "بروتاجوراس"Protagoras في عبارته المشهورة:
"الإنسان مقياس جميع الأشياء"، ويقصد بالإنسان هنا الفرد.
 فالفرد هو مقياس الحقيقة، فإذا اختلف اثنان في الحكم على موضوع واحد، فكلٌ منهما على صواب، بالنسبة لما يراه هو.
 فأحدهما على حق، والآخر كذلك على حق، ولو كانا متناقضين.
 وليس هنالك خطأ دائم مطلق، ولا صواب دائم مطلق، ما دام الفرد نفسه هو مقياس الحقيقة.
 وبالتالي لا توجد حقيقة مطلقة ثابتة.
 ولكن الحقائق نسبية متغيرة من فرد لآخر، كما تتغير بتغير الزمان والمكان.
 فما يراه مجتمع ما في نظم وقيم أنها خير تكون بالنسبة له كذلك، على حين قد يرى مجتمع آخر نفس النظم والقيم أنها شر، فهي كذلك بالنسبة له.
 
وما نود التعليق عليه هنا، يتمثل في أن بإمكاننا تأول الموقف السفسطائي من الحقيقة على نحو مختلف ومغاير لما هو شائع:
فالسفسطائيون هم أول من وضع الحقيقة نفسها موضع البحث لسؤال الريبة والشك، ولم يتعاملوا معها كمسلمة بدهية. 
من جهة ثانية، فإن الموقف السفسطائي لا ينكر إمكانية المعرفة الإنسانية، بمعنى آخر هم لا يقولون أن الإنسان ليس بوسعه أن يعرف، وإنما ينكرون إمكانية المعرفة اليقينية، الثابتة، المطلقة.
 ومن وجهة نظرهم أن الحقيقة بهذه الخصائص ليست موجودة وليس بوسع الذات الإنسانية أن تتوصل إليها، وبالتالي فليس بمقدورنا الجزم بأن ما نتوصل إليه ـ من معرفة بموضوع معرفتنا ـ يمثل حقيقة موضوعية ثابتة مطلقة قاطعة لا سبيل للشك فيها!
وإنما الحقيقة الإنسانية دوما هي ذاتية، وبالتالي هي متغيرة من فرد لآخر، ومن مجتمع لآخر، ومن عصر أو زمان لآخر.
 وبالتالي فإن الموقف السفسطائي هو في الأساس موقف معرفي يعيد تعريف مفهوم الحقيقة وذلك من خلال تأسيسها وربطها وفتحها على جملة مفاهيم كمفهوم: الذاتية، التغير، النسبية، التعددية، الاختلاف. 
وهو موقف نجده أصداء تأثيره واضحة على كثير من الفلاسفة و الاتجاهات الفلسفية:
نيتشه، البراغماتية، التفكيكية، اتجاهات ما بعد الحداثة،..الخ.
 حيث شككوا في إمكان الذات الإنسانية التوصل إلى الحقيقة اليقينية لموضوع ما. 
وفي ظل هذا السياق يمكننا تأول قضية إمكان المعرفة ـ التي تناولتها نظرية المعرفة كواحدة من قضاياها المتعددة ليس ذلك فحسب بل أهم قضاياها ـ بوصفها قضية إمكان الحقيقة ذاتها،
 وبالتالي يضحى التساؤل بهذا الشكل:
هل بإمكان الذات العارفة التوصل إلى (حقيقة) موضوع معرفتها أم أنها عاجزة وليس في إمكانها ذلك؟
 وإذا قمنا بفحص هذا التساؤل سنجد أنه يتأسس على مسلمة (الحقيقة) والتي تعتبر من أهم المسلمات الأساسية التي تأسست عليها نظرية المعرفة.
 
ولكن قد يعترض علينا "فتجنشتين"
الذي رأى أن الكثير من مشكلات الفلسفة في العصور التاريخية المختلفة ليست على الإطلاق مشكلات (حقيقية) بل هي مشكلات (زائفة) نتجت عن خلط و(سوء فهم) في استخدام اللغة.
 وسبب (زيفها) إنما يعود إلى الطريقة التي نصيغ بها المشاكل،
 وهو هنا يقصد الصياغة اللغوية ابتداء، وبالتالي السبب يعود إلى طريقة استخدامنا للغة نفسها.
 فكلما أسئنا استخدام اللغة في صياغة مشكلاتنا، فذلك يعني في (الحقيقة) أننا لا نخلق مشكلات (زائفة) فحسب وإنما أكثر من ذلك ننخرط فيها ونشيّد على أساسها أنظمة وأنسقة فكرية!
 وإذا دخلنا على السؤال السابق من خلال هذا المنظور التحليلي اللغوي، فيجب علينا التأكد هنا من أن هذه المشكلة مشكلة (حقيقية) وليست (زائفة) حتى لا نتعب أنفسنا بخلق مشكلات (وهمية) كان يمكن تلافيها بالاستخدام (السليم) للغة!

على أية حال هو اعتراض يدعونا إلى التشكيك في مدى (صحة/حقيقة) التساؤل السابق!،
 وإن كان يرد على نفسه بنفسه طالما أن مسلمته الأساسية ـ التي بناءا عليها يشيّد منطقه السابق ـ تنطلق من مفهومي (الحقيقي) و(الزائف)!
 وهو ما يعطي شرعية نظرية للتساؤل السابق ويلقي بنا إلى فضاء اللغة الذي لا مهرب منه!
فلنرجع إلى التساؤل مرة أخرى:
 هل بإمكان الذات التوصل إلى (حقيقة) موضوع معرفتها أم أنه عاجزة وليس في إمكانها ذلك؟
ولنقرأ سطور هذا التساؤل وما خلف سطوره:
ما الذي يقوله لنا؟ وما الذي يسكت عن قوله؟ 
أولا: واضح أن بنية هذا التساؤل تنطلق من التسليم بوجود شيء ما اسمه (الحقيقة) ـ على الأقل على مستوى الوجود المفاهيمي ـ بغض النظر عن وصولنا لها أو عجزنا عن وضع يدنا عليها! 
ثانيا: تشير بنية التساؤل إلى مطابقة تامة بين الحقيقة وموضوع المعرفة:
بمعنى أننا إذا وضعنا يدنا على (الحقيقة) نكون بذلك قد وضعنا يدنا على (الموضوع)!
 ومن هنا تأخذ الحقيقة صفة الموضوعية التي تتموقع خارج الذات الباحثة عنها. 
ثالثا: ما تم إقصائه بل وإلغاؤه تماما في هذه العملية هو (الذات) صانعة الحقيقة
وهو الشيء غير المصرح به (وغير المعترف به أصلا) في بنية التساؤل السابقة
وبالتالي فإن ما تم طمسه ونسيانه هو ذاتية الحقيقة نفسها!
 مما يشكل مهددا حقيقيا لمفهوم (الحقيقة) المتأسس على مسلمة (الموضوعية) التي تنكر هي الأخرى أن شرعيتها مستمدة وقائمة على تأسيس الذات. 
ماذا يعني كل هذا (التفكيك)؟ وما هي دلالاته؟ ما هو قصده وعنيه؟!
 يعني فيما يعني، أن الحقيقة ابتداءً هي مجرد مفهوم شأنها شأن بقية المفاهيم:
بمعنى آخر طالما أن مفهوم (المفهوم) نفسه في حراك دائم وفي حالة تبدل وإحلال وإزاحة وتغير، فمن باب أولى أن ذلك كله ينطبق على مفهوم (الحقيقة) كما ينطبق على غيرها من المفاهيم!
 لا قدسية لأي مفهوم وإن كانت ثمة قدسية فهي نتاج ما تم إضفاؤه من قبل خالق المفهوم (الذات) الذي هو مؤول (حقيقة) المفهوم في الآن ذاته!
ويعني أيضا أننا يجب أن نخضع مفاهيمنا ومسلماتنا هذه إلى فحص نقدي لا يبقي ولا يذر!
 وعلى وجه الخصوص مفهوم (الحقيقة) وهو ما يعنينا هنا.
 ولنبدأ بطرح التساؤل: ما الحقيقة؟