الجمعة، 30 مارس، 2012

شاهدوا تضخم برنانكي القليل يُسقط الولايات المتحدة


الثلاثاء, 27 مارس 2012 الساعة 08:14

أميتي شلايس - ينشر بالتعاون مع بلومبيرغ نيوز
«القليل لا بأس به»، هذه هي رسالة بن برنانكي، رئيس «مجلس الاحتياطي الفيدرالي»، التي أرسلها مؤخراً عندما سُئل عن وجود أدلة على التضخم في انتعاش الاقتصاد الأمريكي.

وأحياناً لا يمضي برنانكي إلى هذا الحد، فهو يقول ببساطة إنه لا يرى أي تضخم، وقد وصف رئيس «الاحتياطي الفيدرالي»، مؤخراً، احتمالات ارتفاع الأسعار في جميع أنحاء البلاد على أنها «ضعيفة».

لكن الأمر «المفاجئ» هو أن التضخم يخرج من العدم ليضربك، فالسياسة النقدية مثل الإبحار، تنزلق على طول الطريق وتمر في شبه الجزيرة ثم تغير الاتجاه، ثم لا شيء، ثم تملأ الريح الشراع بسرعة لترميك في البحر، وفي الوقت الراهن، الولايات المتحدة عبارة عن مركب شراعي يبحر في المياه المفتوحة، وقد غير اتجاهه للتو، وتلك الرياح قادمة والبحار لا يعلم ذلك.
وحدث هذا الأمر «المفاجئ» لنا من قبل، ففي الحرب العالمية الأولى ارتفعت النسخة المبكرة لما نسميه مؤشر أسعار المستهلكين في المناطق الحضرية من واحد بالمئة في العام 1915 إلى 7 بالمئة في العام 1916، ثم إلى 17 بالمئة في العام 1917، وكانت هذه مفاجأة نكراء للمحاربين العائدين، كيف حدث ذلك؟، لقد أنفقت وزارة الخزانة مثل المجنون على الحرب وزادت عرض النقود لتدفع ثمنها، ثم ادعت أن إنفاقها يتم تعويضه عن طريق مبيعات سندات الحرية المعقدة وتلوم المواطنين لأنهم يدخرون أكثر.

بلد في حالة إنكار
وبعبارة أخرى، كانت إدارة وودرو ويلسون في حالة إنكار، تتضخم في كل شيء لكنه تضخم اسمي. 
وفي تعليقه على إحدى الخطط المعقدة لجعل النقود أكثر توافراً، قال النائب إل تي مكفادين، وهو جمهوري من بنسلفانيا، «أود أن أقترح أنه إذا كانت الإدارة تعتقد أن التضخم بهذا الشكل ضروري لتمويل الحرب، فالأسلوب المباشر الأفضل هو إصدار النقود مباشرة».
وبالدليل، بالعودة إلى مصطلحات الإبحار، أن تميل وزارة الخزانة و«بنك الاحتياطي الفيدرالي» حرفة النقود الأمريكية بأسلوب واحد تحتاجه للتراجع عن الطريق الآخر، وقد تمثل هذا الميل في اتباع سياسة تقييدية في السنوات اللاحقة، بما في ذلك الانكماش بنسبة 10 بالمئة ومعدل البطالة الموجع.
ويذكر التاريخ أمثلة أخرى، ففي العام 1945، بدا كل شيء بشكل جيد: وكان التضخم عند 2 بالمئة على الأقل رسمياً، وفي غضون سنتين وصل هذا المستوى إلى 14 بالمئة.
وبدا كل شيء هادئاً في العام 1972 أيضاً، قبل أن يقفز معدل التضخم إلى 11 بالمئة بحلول العام 1974، وظل مرتفعاً لبقية العقد، مما قلل من نوعية الحياة للجميع، وقد سددوا قيمة أسعار الفائدة المرتفعة المطلوبة للحد من التضخم، وحصلوا على منزل أقل بغرفة نوم واحدة، أو من دون حوض سباحة.

ويتميز التضخم بأنه يتسارع، وهذا التسارع يصل لمستويات خيالية بشكل مفاجئ للجميع، كما حدث في ألمانيا في العام 1922، وقد اعتقد العديد من المحللين الماليين أن سلطات فايمار لم تكن تنتج ما يكفي من المال.

وكتب في العنوان الرئيس لصحيفة «نيويورك تايمز»: «المال شحيح في السوق الألمانية: أسباب انكماش العملة المتسارع بشكل غير طبيعي في نهاية السنة»، ولم يفهم الألمان ذلك، وأفرطوا في طباعة النقود، وشهد العام التالي تضخماً مفرطاً، حيث وصلت معدلات التضخم لأكثر من 50 بالمئة في الشهر، وانتقل التضخم بسرعة، لدرجة أن الأسعار كانت تتغير في الساعة الواحدة، وفشلت السلطات المالية للبلاد في ملاحظة التضخم، كانوا يعتقدون أنهم يشهدون زيادة في الطلب على النقود.

وكلما زاد الإنكار في البداية، زادت سرعة التضخم في النهاية، ويروي المؤلف دانيال يرغين قصة طالب في فرايبورغ طلب فنجاناً من القهوة في مقهى، وكان السعر 5 آلاف مارك، ثم طلب فنجاناً آخر، وعندما قدمت إليه الفاتورة كانت تساوي 14 ألفاً، وقيل له «إذا كنت تريد توفير المال وتريد فنجانين من القهوة، يجب أن تطلبهما معاً في الوقت نفسه».

مثال مبالغ فيه
ودائماً تذكر ألمانيا في العشرينات كمثال مبالغ فيه، لكن أحد أشكال الإنكار السائدة آنذاك يبرر مقارنتها بالولايات المتحدة اليوم.
ويتحدث برنانكي عن الأسعار في مجال واحد -كالطاقة على سبيل المثال- على أنها تختلف عن تلك الموجودة في بقية قطاعات الاقتصاد، وظن الألمان، في إنكارهم، أن المشكلة كانت تقتصر على أسعار الصرف، وأن الاقتصاد المحلي لديه أمل، والمثير للمفارقة أن المستشار جوزيف ويرث حاول خفض الأسعار من خلال تنظيم العملات الأجنبية، والمثير للمفارقة أيضاً بالقدر نفسه هو سعي رالف نادر اليوم لدفع الإدارة إلى خفض أسعار النفط.

والتوقعات هي السبب في أن حدوث تضخم ضئيل ليس شيئاً جيداً، وهي السبب في أن التضخم يأتي فجأة.

إن عبارة «التصور هو واقع» عبارة مبالغ فيها بشكل عام، لكن يمكن أن يصبح التصور حقيقة واقعة في السياسة النقدية، فسوق السندات لا تعمل فقط بناءً على ما تراه، لكنها تعمل بناءً على ما هو متوقع من «مجلس الاحتياطي الفيدرالي» أو الحكومة. 

وقد أخبرنا «الاحتياطي الفيدرالي» أنه قادر على كل شيء تقريباً، وهذا يشمل السياسة النقدية التضخمية، ويمكن أن تأتي الصدمة سريعاً كالعاصفة، لكن بناء الثقة في أن الحكومة لن تتضخم مرة أخرى يشبه تماماً بناء مركب شراعي جديد، وهو مشروع يمتد لسنوات،
والطريقة الأخرى للتعبير عن الوضع هي ما فعله مصرفي «البنك المركزي» هنري اليتش، فقد نقل جيري جوردمان من «الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند عنه القول إن التضخم مثل الموز، بمجرد أن ترى بقعة بنية واحدة، يكون قد فات الأوان.
والسبب في أن الأسواق لم تقفز حتى الآن هو أن آخر تضخم كبير وآخر تصحيح قد حدثا في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، أي منذ فترة طويلة تكفي ألا يتذكره معظم البالغين في الأسواق المالية.

ويمكننا الجدال حول ما إذا كان تحدي اليوم يشبه ما واجهناه في بداية الثمانينات، أم أنه شيء أسوأ، لكن هناك شيء واضح وهو أننا قريباً جداً، سنكون جميعاً في المياه العميقة.