الأربعاء، 28 مارس، 2012

الأخطاء التي ارتكبناها


الإثنين, 26 مارس 2012 الساعة 08:05
بايرون وين - نائب رئيس مجلس إدارة شركة بلاكستون أدفايزوري سيرفيسز
الأخطاء التي ارتكبناها
لم أرَ في التحليلات الشائعة للأوضاع المالية الحالية أي عودة للتدقيق في أصولها، لقد بدأ هذا الوضع برأيي مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وقد أخفق صانعو السياسات في الولايات المتحدة في إدراك أربعة أحداث مهمة قادتنا إلى الظروف الحالية.

وقع الحدثان الأولان العام 1980، عندما عادت أوروبا واليابان للتنافس من جديد بعد 35 سنة من إعادة الإعمار بعد الحرب العالمية الثانية، وهو ما جعل من الصعب على الولايات المتحدة المنافسة عالمياً.

ولعل الرد المثالي كان في وجوب اتخاذ سياسة صناعية تركز على الاستقلال في مجال الطاقة أو البنية التحتية، فلو أننا استغللنا إمدادات الغاز الطبيعي الوفيرة لدينا في توليد الكهرباء وتشغيل وسائل المواصلات المحلية، لكنا تمكنا من تقليص الأضرار البيئية، وكذلك تقليل الاعتماد على نفط الشرق الأوسط، كما كان علينا رفع مستوى المهارات الصناعية للقوى العاملة.
ومع تصنيف عقد الثمانينات بأنه «عقد الأنا» على المستوى الفردي، فقد شهدت الولايات المتحدة تراكم الديون الشخصية على نطاق واسع.

الحدث الثالث وقع العام 1990، عندما أخذت الصين والاتحاد السوفيتي السابق بالابتعاد عن الاقتصادات الموجهة، ودخلت الهند في ذلك الوقت إلى الاقتصاد العالمي بإنتاج البضائع لاستهلاكها الذاتي، وكانت نظرتنا لهذه الأمور إيجابية، حيث فشلنا في إدراك البعد التنافسي لذلك.

أما الحدث الرابع فوقع في أواخر التسعينات وأوائل الألفية، مع ترسيخ الحكومة والقطاع الخاص لمفهوم المثالية على المستوى الفردي، حيث تمكن مزيد من الأمريكيين من تملك بيوتهم، ونجم عن ذلك حالات عدة لتملك منازل غالية الثمن بما يفوق القدرات الحقيقية للمشترين، ولأن أسعار المنازل كانت ترتفع بمعدل 10 بالمئة سنوياً، والدفع يتم على سنوات عدة، فإن بإمكان المشترين بيع هذه المنازل بربح طيب من أجل شراء وحدات بسعر معقول، وبشكل مريح.
استمر هذا الوضع حتى العام 2007، حيث بدأت أسعار المنازل بالتراجع، ووجد الكثيرون أنفسهم ملتزمين بدفعات شهرية كبيرة، فيما تتدنى قيمة منازلهم، هذا إن أمكن بيع المنزل أساساً، ونعلم جميعاً ما الذي حدث للاقتصاد بعد ذلك.
كما أن ارتفاع الدين في جميع مستويات النظام المالي الأمريكي بالنسبة لنمو الناتج المحلي الإجمالي، يعني أن رأس المال أصبح أقل إنتاجية خلال السنوات الثلاث الماضية.

شكّل فخرنا بالمكانة التي كنا نُحسد عليها بعد الحرب العالمية الثانية أساساً لظروفنا الحالية، إضافة إلى أننا اعتمدنا سلسلة من البرامج الاجتماعية واسعة النطاق.

وأدى انخفاض الضغوط التنافسية إلى جعل هذه الفترة ذات إنتاجية عالية.
فبين العامين 1950-1970، كان على الاقتصاد ككل أن يوظف أقل من دولارين من الدين لإنتاج دولار واحد من النمو في الناتج المحلي الإجمالي، وبحلول العام 1980 ومع المنافسة من أوروبا واليابان، أصبح إنتاج دولار من النمو في الناتج المحلي الإجمالي يحتاج إلى ثلاثة دولارات، أي بزيادة تبلغ أكثر من 50 بالمئة خلال عقد.

أضف إلى ذلك استمرار تناقص عدد الأشخاص العاملين في قطاعات التصنيع.

وكنا نتحول في ذلك الوقت إلى اقتصاد خدمي، والخدمات عموماً غير قابلة للتصدير، لذا بدأ العجز في ميزان المدفوعات بالتوسع، وازدادت الوظائف في هذا القطاع من 40 بالمئة في الأربعينات إلى 65 بالمئة في العقد الأول من الألفية الثالثة، وأسهم في ذلك أيضاً، ارتفاع أسعار النفط بين العامين 1973-1974. 

ومما تجدر ملاحظته، أنه خلال يناير 2012 فاقت الزيادة في وظائف قطاعات التصنيع المستحدثة الزيادة في الوظائف الجديدة في قطاع الخدمات للمرة الأولى منذ العام 1977، ونأمل في أن يشكل ذلك اتجاهاً جديداً دائماً.

وللأسف، لم يتم اتخاذ أي إجراء سياسي في مواجهة انخفاض إنتاجية رأس المال وانخفاض القوة العاملة في التصنيع، وكان من الواجب وضع خطة صناعية للطاقة البديلة، تضاهي مساهمة صعود الإنسان إلى القمر في ولادة وادي السليكون، مهد تقنية المعلومات، وكان علينا في الولايات المتحدة أن نكون أقل اعتماداً على النفط الأجنبي اليوم، مع التداعيات الإيجابية الهائلة لذلك على الاقتصاد والسياسة.

ولم تستغل جامعاتنا، وهي الأعظم في العالم، قدرتها على الابتكار طوال السنوات الأربعين الماضية. 

ومع بدء تزايد أهمية دور التقنية في قطاعي الخدمات والتصنيع، كان على صانعي القرار السياسي أيضاً، تطبيق برامج للارتقاء بقدرات القوى العاملة الأمريكية.

كانت فترة التسعينات إيجابية بالنسبة لإنتاجية رأس المال، وعلى الرغم من التحديات التنافسية المتمثلة في بروز الدول ذات التكلفة المنخفضة للعمالة في أمريكا اللاتينية وآسيا، فإن الدين اللازم لزيادة الناتج المحلي الإجمالي بمقدار دولار ظل عند معدل 3:1 بسبب هيمنة قطاع تقنية المعلومات في أمريكا.

هذا المشهد تغير كثيراً في الألفية الجديدة، حيث ازداد الدين اللازم لزيادة الناتج المحلي الإجمالي بمقدار دولار إلى أكثر من خمسة دولارات، وتم اقتراض المال لشراء المنازل المغالى بثمنها، وتورطنا في حربين لم تكن نتائجهما مضمونة، وتطلبت الأزمة المالية العام 2008 زيادة هائلة في الدين الحكومي لتجنب حدوث انهيار كبير في النظام المصرفي، وعندما انتخب جورج دبليو بوش العام 2000، كان الدين المحلي المتراكم منذ أكثر من 200 سنة أقل من 6 تريليونات دولار، وهو يبلغ اليوم 15 تريليوناً (أي أكثر من الضعف خلال 12 سنة فقط). 

وازداد الناتج المحلي الاسمي الإجمالي من 10 تريليونات دولار إلى 15 تريليوناً.

ولتشجيع الناس على شراء المنازل، تم تخفيف معايير الإقراض وزيادة نشاطات المصارف ومصارف الظل، وكان بإمكان «البنك الاحتياطي الفيدرالي» أن يكون أكثر صرامة بشأن الإقراض، لكن كان يُعتقد أن وجود سوق حرة سيوفر الانضباط اللازم، من دون أن يدرك أحد عواقب الإفراط في الإقراض.

إذا كنا بحاجة لخمسة دولارات من الدين لإنتاج دولار واحد من النمو في الناتج المحلي الإجمالي، فإن العائد من هذا الدولار الواحد قد لا يكون كافياً لخدمة الدولارات الخمسة، وتوفير عائد طيب لمستثمري الأسهم كذلك، وربما يكون ذلك أحد الأسباب وراء ارتفاع الاحتياط النقدي في ميزانيات الشركات، فقد أدت زيادة التنافسية إلى صعوبة الحصول على عائد مجزٍ.

والسؤال هو: «ماذا نفعل الآن؟»
من الواضح أنه يجب تخفيض النفقات الحكومية، حيث لا يمكن تحمّل تراكم الديون إلى ما لا نهاية، لكن يجب أن نكون حريصين على عدم خفض الإنفاق بسرعة كبيرة جداً، لأن هذا الإنفاق يسهم في 25 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي (أي إنه رافد كبير للاقتصاد). 

وكان هدف اللجنة العليا في الكونغرس تخفيض الإنفاق الحكومي بمقدار 1.2 تريليون دولار على مدى عشر سنوات، أي 120 مليار دولار سنوياً، ويمكن إجراء ذلك من دون أن نعود مرة أخرى إلى حالة الركود. 

ومع أن تخفيض الإنفاق بمقدار 500 مليار دولار في سنة واحدة سيقلل نمو العجز، إلا أنه سيؤثر في الناتج المحلي الإجمالي بشكل سلبي.
وعلى الأرجح، لا يبدو أن الفجوة في الميزانية ستضيق بشكل كبير من دون رفع الضرائب التي تمثل حالياً 15 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويجب توسيع الأساس المستهدف لدفع الضرائب، وستتعرض التفضيلات الضريبية والإعانات لضغوط من أجل تقليصها، لكن هناك مجموعات وقوى سياسية ستقاوم إجراء تغيير كبير. 

وسط هذه المشاكل طويلة الأمد، استعاد الاقتصاد زخمه الضائع، ويعتقد المراقبون أن نمواً حقيقياً للناتج المحلي الإجمالي بنسبة اثنين بالمئة يبدو مرجحاً، لكن يبدو الآن أنه يمكن بلوغ نسبة 3 بالمئة في العام 2012، ما يؤدي إلى الزيادة في الرواتب وتنامي العجز في الميزانية، وإذا لم نتمكن من تقليص هذا العجز المتنامي فإننا، بلا شك، سنواجه أزمة جديدة.
بحلول العام 2020 قد ترتفع تكلفة الدين سنوياً إلى أكثر من 20 بالمئة من العائدات، وهو ما يؤدي إلى تقليص كبير في الإنفاق على الدفاع والضمان الاجتماعي والرعاية الصحية، والتسبب بمشاكل اجتماعية يجب أن يواجهها الكونغرس منذ الآن.
إن الداعي إلى «يقظة» الكونغرس هو ارتفاع معدلات الفائدة على الدين الحكومي، فدفع اثنين بالمئة من أجل الاقتراض لمدة عشر سنوات يعكس تهاون المشرعين في ضبط الأمر، وإذا تجاوزت تكلفة الإقراض نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي، فقد يشعرون بأن الأمر أصبح أكثر إلحاحاً.