الجمعة، 23 مارس، 2012

مشروع نقد الفكر الديني عند نصر حامد أبو زيد

مجدي عزالدين حسن 
الحوار المتمدن - العدد: 3668 - 2012 / 3 / 15 - 15:36 



المفكر العربي نصر حامد أبو زيد (1943م ـ2010م) أكاديمي مصري، وباحث متخصص في الدراسات الإسلامية ومتخصص في فقه اللغة العربية.
 حصل علي الليسانس من قسم اللغة العربية وآدابها بكلية الآداب جامعة القاهرة 1972م بتقدير ممتاز، ثم ماجستير من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1976م، ثم دكتوراة من نفس القسم والكلية في الدراسات الإسلامية عام 1979م.
 عمل أستاذ مساعد بكلية الآداب ، قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة القاهرة فرع الخرطوم خلال الفترة من (1983م-1987م) ثم أستاذ مساعد بكلية الآداب، جامعة القاهرة 1987.
 وعندما قدم أبحاثه للحصول على درجة أستاذ تكونت لجنة من أساتذة جامعة القاهرة بينهم د.عبد الصبور شاهين الذي اتهم في تقريره د.نصر " بالكفر "، وحدثت القضية المعروفة حيث أثارت كتابات الباحث المصري ضجة إعلامية في منتصف التسعينيات من القرن الماضي.
 فقد أتُهم بسبب أبحاثه الأكاديمية بالارتداد والإلحاد.
وفى نهاية المطاف غادر نصر حامد أبو زيد وزوجته د. ابتهال يونس الأستاذة في الأدب الفرنسي، القاهرة نحو المنفى إلى هولندا، ليقيما هناك حيث عمل نصر حامد أبو زيد أستاذا للدراسات الإسلامية بجامعة ليدن الهولندية.


أهم أعماله:
1/ الاتجاه العقلي في التفسير: دراسة في قضية المجاز في القرآن عند المعتزلةـ صدر عن دار التنوير للطباعة والنشر 1982م، وكانت رسالته للماجستير.
2/ فلسفة التأويل: دراسة في تأويل القرآن عند محيي الدين بن عربي ـ صدر من دار التنوير للطباعة والنشر 1983م، وكانت رسالته للدكتوراة.
3/ مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن ـ صدر من المركز الثقافي العربي 1987م. 
4/ إشكاليات القراءة واليات التأويل ـ صدر من المركز الثقافي العربي.
5/ نقد الخطاب الديني ـ الناشر سينا للنشر.
6/ الخطاب الديني: رؤية نقدية ـ صدر من دار المنتخب العربي 1992م
7/ النص السلطة الحقيقة: الفكر الديني بين إرادة المعرفة وإرادة الهيمنة ـ صدر من المركز الثقافي العربي 1995م.
8/ دوائر الخوف: قراءة في خطاب المرأة ـ صدر من المركز الثقافي العربي. 
9/ الخطاب والتأويل 
10/ هكذا تكلم ابن عربي ـ صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. 
11/ الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية ـ صدر عن سينا للنشر 1993م. 
12/ التفكير في زمن التكفير: ضد الجهل والزيف والخرافة ـ صدر من مكتبة مدبولي 1995م.
13/ القول المفيد في قضية أبو زيد صدر من مكتبة مدبولي 1996م. 
والكتابين الأخيرين كانا عن قضية التفريق بينه وبين زوجته وردود الفعل نحوها.

مثلت أفكار المفكر الإسلامي نصر حامد أبو زيد ـ سواء اتفقنا أو اختلفنا معها ـ رافدا معرفيا يمكن استثماره وتوظيفه في بناء تيار إسلامي مستنير نحن في أشد ما نكون في الحاجة له في ظل الوضع الراهن والبائس الذي آلت إليه الإسلاميات والحال المزرية التي يرزح تحتها الفكر الإسلامي في راهننا المعاصر. 

وتعد أفكاره محاولة جادة هدفت إلى إعادة قراءة التراث المعرفي الإسلامي في مصادره الأولى، قراءة جديدة ومغايرة ومختلفة حاولت الترسيخ والتجذير لمفاهيم جديدة على اختلاف عما هو سائد من قراءات سلفية تقليدية عملت على اجترار وإعادة إنتاج الماضي الإسلامي كما هو.

الموضوع الرئيسي للمشروع الفكري لنصر أبو زيد يتمثل في نقد الفكر الديني الإسلامي.
وعلى ذلك، فالباحث هنا مُعنى بالطريقة التي عالج بها أبو زيد موضوعه هذا، وبالتالي لن نميل إلى التعمق في سرد مضمون أفكاره ـ إلا بما يسمح به سياق هذه القراءة ـ فليس ذلك غايتنا هنا.
 إنما نحن بالأحرى نركز بشكل أساسي على أدواته المعرفية وعدته المنهجية والكشفية التي قارب بها موضوعه. 

في ظل هذا المدخل الموجّه نلاحظ أن التساؤل الأساسي الذي كان يقبع وراء معظم ـ إن لم يكن كل ـ دراسات الأستاذ الدكتور أبو زيد يتمثل في الكيفية التي (نفهم) بها أو(نقرأ) بها النص الديني الإسلامي

وواضح أن مثل هذا التساؤل ـ التساؤل عن كيفية الفهم ـ يرتد بنا إلى حقول معرفية حديثة من بينها اللسانيات والسيمولوجيا والتحليل النفسي وعلى وجه الخصوص الهرمنيوطيقا بوصفها الحقل المعرفي المُعنى بفن تأويل وفهم النصوص.
 على ذلك فإن التساؤل عن الكيفية التي نفهم بها النصوص يرمي بنا في الفضاء اللا محدود للتأويل وآلياته.
 ولذلك نهدف هنا في هذا المقال إلى الإجابة عن تساؤل أساسي (سيكون لنا بمثابة المحرك الرئيسي في مقاربتنا هذه لإنتاج أبو زيد) هو: إلى أي مدى نجح أبو زيد في استثمار الرأسمال الرمزي لهذه الحقول المعرفية ـ وخصوصا الهرمنيوطيقا ـ في فهم موضوعه وإلى أي مدى نجح في توظيفها في إنتاج قراءته للنص الديني الإسلامي؟

1/ بادئ ذي بدء، سنرى مفهومه للنص: 

ولابد من التأكيد في البداية على أن الدكتور نصر يريد ب(النص) القرآن، حيث يصدر في دراسته للنص القرآني من منظور لغوي يرى أن النص القرآني في الأساس هو "نص لغوي" و"منتج ثقافي" 
بمعنى أنه مشروط ومحدد بأفق ثقافي معين وبنظام لغوي محدد، وبالتالي فهو يدخل على النص في سبيل فهمه مدخلاً لغوياً من خلال الثقافة العربية ونظامها اللغوي. 

يقول أبو زيد: " إن الله سبحانه وتعالى حين أوحى للرسول بالقرآن اختار النظام اللغوي الخاص بالمستقبل الأول. وليس اختيار اللغة لوعاء فارغ وإن كان هذا ما يؤكده الخطاب الديني المعاصر، ذلك أن اللغة أهم أدوات الجماعة في إدراك العالم وتنظيمه.
 وعلى ذلك لا يمكن أن نتحدث عن لغة مفارقة للثقافة والواقع، ولا يمكن من ثم أن نتحدث عن نص مفارق للثقافة والواقع طالما أنه نص داخل إطار النظام اللغوي للثقافة.
 إن ألوهية مصدر النص لا تنفي واقعية محتواه ولا تنفي من ثم انتماءه إلى ثقافة البشر" وأن " النص كله لا يدل إلا من خلال النظام اللغوي الخاص بالمخاطبين" 

وبالتالي فإن هدف دراسة الدكتور أبو زيد يمكن فهمه من خلال هذا السياق
ومن خلال سعيه الدءوب للتأكيد على أن أية قراءة للنص إنما يجب أن تصدر من مسلمة أساسية (كان شاغل أبو زيد التأكيد والبرهنة عليها) تتمثل في أن النص طالما هو نص لغوي (أبو زيد هنا يستلهم التعريف الألسني لمفهوم النص باعتباره علامة لغوية) وطالما أن اللغة لا يمكن أن تكون مفارقة لثقافة الجماعة المستخدمة، فبالتالي يترتب على هذه المقدمة نتيجة قرر بموجبها أبو زيد أن النص ليس هو الآخر بمفارق للثقافة والواقع

وهو الأمر عينه الذي أكدت عليه الهرمنيوطيقا في تعاملها وتعاطيها مع كافة النصوص اللغوية بوصفها فن فهم وقراءة النصوص حيث تتساوى من منظورها كل النصوص باعتبارها نصوص تاريخية وهو ما ينزع عن بعضها (الدينية تحديداً) صفة القداسة والتعالي على التاريخ. 

ولذلك تقرر لنا الهرمنيوطيقا بهذا الصدد أن النصوص تستوي. فليس هناك أي مجال للفصل ما بين نص مقدس وآخر غير مقدس. 
والاستواء المقصود هنا ليس الاستواء من ناحية المضمون والطرح، فبديهياً تختلف النصوص من هذه الزاوية.
 وفي ظل هذا السياق ينبغي التأكيد على أن التعاطي مع النصوص من ناحية المضامين والطروحات لا يهم الهرمنيوطيقا لا من بعيد ولا من قريب،
 وإنما هو مدخل القراءة التقليدية أو النقد الأيديولوجي الذي يتعامل مع النص انطلاقاً مما يطرحه النص من أفكار ومضامين وتصورات وبالتالي ينحى نحو التخطئة والتصوبة. 

وفي المقابل فإن الهرمنيوطيقا معنية بشكل أساسي بسؤال الفهم أو فهم الفهم نفسه، ولذلك فمن هذه الناحية تستوي النصوص،
 وهو الأمر الذي يجعلنا نميز ما بين التأويل وما بين الهرمنيوطيقا،
فالتأويل هو محاولة ل(فهم) النص في حين أن الهرمنيوطيقا ترمي إلى فهم (الفهم) في حد ذاته. 
إلا أن هذا التمييز الذي أجريناه لا ينفي بأي حال من الأحوال وشائج وروابط التواصل ما بين عملية تأويل النص وما بين الهرمنيوطيقا:
 فالأول يرتكز على الأخيرة بوصفها (النظرية) التي تمد التأويل(التطبيق) بالآليات والأدوات ومعايير التمييز التي توظف عملياً في عملية تأويل أو فهم النص. 

وبالتالي فإن اللسانيات والسيمولوجيا والهرمنيوطيقا وغيرها من الميادين المعرفية كالنص والخطاب
إنما تهتم بالكيفية التي ينبثق بها المعنى وتتولد بها الدلالة، وبالطريقة والكيفية التي تتشكل بها النصوص والخطابات، وبالطريقة التي نفهم بها، وبما يحدث فعلياً في عملية الفهم والتأويل، ولذلك فمن هذه الناحية تستوي كل النصوص. 

صحيح أن النص الديني يستخدم آليات خاصة في إنتاج المعنى قد لا نجدها في غيره من النصوص الأخرى، وأن له استراتيجيته المختلفة في توظيف الدلالة وفي عملية إنتاج المعنى،
ولكن هناك آليات عامة تشترك فيها جميع النصوص على اختلافها، سواء كانت دينية أو أدبية أو قانونية...وهو ما كشفت عنه هذه الحقول المعرفية الحديثة وعلى رأسها الهرمنيوطيقا. 

استواء النصوص بهذا الفهم مثّل مسلمة جديدة، أرخت بدورها للبداية الحقيقية للتاريخ الحديث للهرمنيوطيقا، ونلاحظ أن كل تيارات فلسفة التأويل الحديث على تباين واختلاف منطلقاتها قد انطلقت من هذا المبدأ. 

وبالتالي نستطيع أن نقرر وبشيء من اليسر، بأن ولادة الهرمنيوطيقا الحديثة بدأت مع هذا المبدأ، والذي يعتبر واحد من أهم تحولاتها النوعية.
 حيث نلاحظ أنه قبل ولادة الهرمنيوطيقا الحديثة كان يفرق بين النصوص من حيث إستراتيجية التعامل والتعاطي معها
وخصوصا النص الديني، حيث كانت السيادة آنذاك للتأويلية المتخصصة والمنقسمة إلى شعب معرفية متعددة كانت مستقلة عن بعضها البعض: كالتفسير الديني للكتب الدينية وفقه اللغة وأحكام القضاء ـ وبالتالي تأويلية لاهوتية وأخرى فيلولوجية وثالثة قانونية ـ
أما مع ولادة الهرمنيوطيقا الحديثة فقد أصبح الاهتمام موجها للبحث عن الأساس للإجراء المشترك الكامن ما وراء اهتمامات كل من هذه المجالات المعرفية، والمتمثل في (الفهم).

وبالتالي ـ وفي ظل هذا السياق ـ يمكننا تعريف الهرمنيوطيقا بوصفها "علم" أو "فن" فهم النصوص أياً كانت هذه النصوص سواء كانت دينية، أو قانونية، أو أدبية..الخ.
 بعد أن كانت التأويلية التقليدية محصورة في نطاق النص الديني (الإنجيل، القرآن) ـ وعندنا لا تزال لها السيادة المطلقةـ ومحددة وظيفتها في تفسير النص الديني بغية الوصول إلى حكمة القصد الإلهي، ومعنية بالأساس بتوضيح ما غمض من معانيه، أما ما كان واضح المعنى والدلالة فهو ليس في حاجة إلى تأويل، وبالتالي كانت ( ولا زالت بالنسبة لنا) التأويلية مجرد فرع دراسي أو علم مساعد للدراسات اللاهوتية

في المقابل كان هّم المشروع الهرمنيوطيقي الحديث يتمثل في البحث عن مبادئ أولية يمكن أن تصلح كأساس متين وقوي لقيام تأويلية كلية أو لتشييد نظرية عامة في تأويل كافة النصوص طالما أن هناك قاسم مشترك بين جميع هذه النصوص متمثلاً في التجسيد اللغوي لها. 
وهو الأمر الذي لم يكن موجودا من قبل، فلم تكن هناك غير أفرع تأويلية متباينة أهمها التأويلية الفيلولوجية (فقه اللغة)، واللاهوتية، والقانونية.

إذن الهرمنيوطيقا هي فن فهم النصوص اللغوية، وبالتالي لا ترى فرقاً بين النصوص الدينية/المقدسة والنصوص الدنيوية/الغير مقدسة، طالما أنها جميعا في المحصلة النهائية للتحليل تتجسد اللغة. 

وبالرغم من أن المشروع الهرمنيوطيقي المتمثل في قيام تأويلية كلية قد انطلق من مبدأ: أن جميع النصوص ـ سواء كانت دينية، قانونية، أدبية، الخ ـ تستوي طالما أنها تتوسل العلامات اللغوية في إيصال دلالاتها ومعانيها لقارئيها أو متلقيها، وبالتالي إذا وضعنا أيدينا على مجمل القواعد التي إذا طبقناها على النصوص يمكن أن نصل إلى فهمها وحقيقة ما تقصد قوله. 
نقول أنه برغم ذلك كله، إلا أننا نرى أن هذه القواعد هي مجرد مبادئ أولية عامة لا تمتهن خصوصية اختلاف النصوص، ونحن بذلك نقر بأن التعامل مع النصوص القانونية يختلف عن الأدبية وهذه الأخيرة تختلف بدورها عن التعاطي مع النصوص الدينية..الخ. 

ولذلك فإننا نقول بأن الهرمنيوطيقا كنظرية في الفهم والتأويل، تقدم مجموعة من المبادئ العامة التي هي بمثابة قواعد هادية ومرشدة يمكن تطبيقها على جميع حقول البحث الإنساني، ومع الإقرار في نفس الوقت بأن لكل حقل معرفي (القانون، الدين، الأدب،..) مشكلاته المنهجية المتميزة التي يتوجب على المؤول أخذها في الاعتبار عند تعاطيه مع أياً من هذه النصوص. 

2/ من جهة ثانية، نجد أن أبو زيد أستخدم مصطلح الهرمنيوطيقا بالإضافة إلى أنه أستخدم أيضا مصطلح " التأويلية" كمقابل عربي مواز ومعادل ل" الهرمنيوطيقا".


حيث يورد في كتابه إشكاليات القراءة وآليات التأويل قوله: "...الهرمنيوطيقا أو التأويلية إذا شئنا استخدام مصطلح عربي" . 

ويكتب نصر أبو زيد
 أن " القضية الأساسية التي تتناولها "الهرمنيوطيقا" بالدرس هي معضلة تفسير النص بشكل عام، سواء كان هذا النص نصاً تاريخياً، أم نصاً دينياً،
والأسئلة التي تحاول الإجابة عنها-من ثم- أسئلة كثيرة معقدة ومتشابكة حول طبيعة النص وعلاقته مع التراث والتقاليد من جهة، وعلاقته بمؤلفه من جهة أخرى.
 والأهم من ذلك أنها تركز اهتمامها بشكل لافت على علاقة المفسر... بالنص.
 هذا التركيز على علاقة المفسر بالنص هو نقطة البدء والقضية الملحة عند فلاسفة الهرمنيوطيقا" 

والذي نلاحظه فيما أورده الدكتور أبو زيد
 هو أنه لم يكن موفقاً في أستخدمه للفظ تفسير/المفسر، وكان حرياً به استخدام مصطلح فهم/تأويل/المؤول لأنها أدق وأشمل في المعنى والمضمون،
ولأن لفظ "التفسير" ارتبط تاريخيا بالمجال الديني وبالتالي يعود إلى ما قبل تاريخ الهرمنيوطيقا الحديثة.
 ويظهر تناقض نصر في قوله الذي أورده في نفس الصفحة:
" مصطلح الهرمنيوطيقا مصطلح قديم بدأ استخدامه في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني(الكتاب المقدس).
 والهرمنيوطيقا بهذا المعنى تختلف عن التفسير الذي يشير إليه المصطلح Exegesis".

ومن جهة أخرى نلحظ التمييز الذي يجريه الدكتور نصر ـ وينسبه للهرمنيوطيقاـ ما بين النص التاريخي من جهة والنص الديني من جهة أخرى،
 وفي رأينا أن النقلة النوعية التي حققتها الهرمنيوطيقا الحديثة في مراحل تطورها التاريخية إنما تتمثل في نظرتها للنصوص باعتبارها نصوص تاريخية
بما في ذلك النص الديني الذي كشفت الهرمنيوطيقا أنه بدوره لا ينفك عن التاريخ ولا يتعالي عليه، طالما أنه يلبس عباءة اللغة الإنسانية. 

وهو الأمر ذاته الذي تؤكده دراسات الدكتور أبو زيد، ولذلك فإننا نعتبر تمييزه بين النص التاريخي والنص الديني في الفقرة السابقة مجرد زلة لسان أو هفوة ناتجة من عدم التدقيق في اختيار الألفاظ المناسبة،
لأنه على العكس تماما من ذلك نجد أن مضامين طروحاته تذهب في اتجاه التأكيد على تاريخية النص فنراه في سياق حديثه عن النص القرآني يؤكد على مبدأ تاريخية النص بقوله:
" إنها رسالة السماء إلى الأرض، لكنها ليست رسالة مفارقة لقوانين الواقع بكل ما ينتظم في هذا الواقع من أبنية وأهمها البناء الثقافي.
 إن المطلق يكشف عن نفسه للبشر، (يتنزّل) إليهم، بكلامه عبر نظامهم الدلالي الثقافي واللغوي" 

3/ من جهة ثالثة، ينعت الحضارة العربية الإسلامية ب(حضارة النص)


بمعنى أنها كحضارة قامت ثقافتها وكافة علومها على النص القرآني، وعلى أساس العلاقة الجدلية التي ربطت هذا النص مع الواقع وقضاياه المتجددة وبالتالي فإن النص يجب أن يكون في حالة حوار دائم وجدل مع الواقع الإنساني المتجدد بوتيرة متسارعة. 

وهو بعد ذلك يقيم العلاقة ما بين النص والتأويل باعتبار أن التأويل هو الوجه الأخر للنص.
وبالتالي فطالما وصفنا الحضارة العربية الإسلامية بأنها حضارة النص، فمن باب أولى وصفها بحضارة التأويل.
 فليس من ثمة أية أهمية لنص دون تأويل ما له.
 وبالتالي أهمية النص تنسحب على أهمية وضرورة التأويل، فعبر آلية التأويل يمكن لنا أن نتفهم عملية الجدل والحوار الدائم بين النص القرآني من جهة والواقع المتغير بوتيرة متسارعة من جهة أخرى. 

4/ وفي ظل هذا السياق يعيد طرح السؤال: ما هو الإسلام؟

وغايته من طرح السؤال " الوصول إلى فهم (موضوعي) لماهية الإسلام
" يكتب أبو زيد:
" الهدف الثاني لهذه الدراسة يتمثل في محاولة تحديد مفهوم (موضوعي) للإسلام، مفهوم يتجاوز الطروح الأيديولوجية من القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة في الواقع العربي الاسلامي"
 وبدلا من ذلك يرى أبو زيد ضرورة إعادة طرح التساؤل بشأن الإسلام، " والسؤال يكتسب مشروعيته من تلك الفوضى الفكرية التي تسيطر على المفاهيم الدينية في ثقافتنا نتيجة لاختلاف الرؤى والتوجهات في الواقع الثقافي المعاصر من جهة، ونتيجة لتعدد الاجتهادات والتأويلات في التراث من جهة أخرى" 

وما يطالب به الدكتور أبو زيد لن يحدث، لأن كل طرف من الأطراف التي ذكرها، يدعي أن فهمه للإسلام هو أيضاً فهماً موضوعياً، وأبو زيد بذلك يكون قد شرع فيما شرع فيه الآخرون من قبله، وإن اختلف معهم من حيث المضامين والطروحات. 

وما فات على الأستاذ المفكر أبو زيد هنا
يتمثل في أهمية فحص المسلمة/ التساؤل التي ينطلق منها، والتساؤل عن شرعية هذا التساؤل نفسه:
 فهل يمكن الوصول حقاً إلى فهم (موضوعي) للإسلام؟
 فالمشكلة من وجهة نظري
تتحدد في أن كل التيارات والفرق الإسلامية على اختلافها وتباينها على مر التاريخ تصدر من فرضية أن ما تطرحه من تأويلات، إنما يمثل الحقيقة الموضوعية للإسلام. 
وبالتالي تحكم حكماً قطعياً بأن من يخالفها في رؤاها وتصوراتها إنما يٌخالف الإسلام ذاته، وعلى ذلك يتم وصمه بالكفر والمروق والزندقة والارتداد أو على الأقل يتم وصفه بالفسوق والعصيان. 

أنا هنا أدعو إلى تجاوز هذا السؤال
المبني على أساس الأحادية والتشابه ووهم الاتفاق، ومجاوزته ـ لا القفز من فوقه ـ واستبداله بالتساؤل المبني على التعددية على مستوى التأويلات والاختلاف على مستوى الأفهام والضدية..الخ.
 فالسؤال بطريقته السالفة يمثل السبب الأساسي لثقافة التكفير وثقافة الإقصاء والنفي المتبادل.
أليس سبب كل الاحتراب والصراع الدائر على مر تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، هو نتاج لمحاولتنا الجري وراء وهم الموضوعية المدعاة، حلم سراب طوال التاريخ الإسلامي جاء كنتيجة إلى إدعاء كل طرف من الأطراف بأن إسلامه هو الإسلام الصحيح وما عداه هو الكفر الصريح! 
ألم يُكفّر الدكتور أبو زيد نفسه من ذات المنطق،
بمعنى أن ثمة فهم موضوعي لإسلام خرج من دائرته المحددة أبو زيد؟
 فنحن هنا لا نتفق مع أبو زيد، فسؤال الموضوعية ليس هذا مجاله
لأن التاريخ وتطور المعارف يثبت لنا أن النتائج المترتبة عن الانطلاق من مثل هذه المسلمات ومن بينها مسلمة (الموضوعية) ـ خاصة في ميدان الدين ـ يُفضي بنا إلى التسلط والتخشب والتعنت.
 وسأجعل بؤرة تركيزي في مقالاتي التالية الإجابة على السؤال:
 هل يمكن الوصول حقاً إلى فهم (موضوعي) للإسلام؟
وهو الأمر الذي سيقودنا إلى التساؤل عن مشكلة ذاتية وموضوعية التأويل. 
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=299146