الثلاثاء، 20 مارس 2012

جدل حول الذهب 1


أ.د. محمد ابراهيم السقا

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 20/3/2012

منذ أكثر من عقد من الزمن تقريبا وأسعار الذهب تواصل الارتفاع، فقد بدأت رحلة الصعود لأسعار الذهب من 250 دولارا تقريبا في 2001 ثم بلغت أعلى مستوياتها حتى الآن في منتصف 2011 عندما بلغ سعر الأوقية 1925 دولارا، وهو ما يمثل ارتفاعا كبيرا لهذا الأصل في غضون هذه الفترة القصيرة نسبيا، الأمر الذي يجعل متوسط معدل العائد السنوي على الذهب بحوالي 20%، وهو معدل استثنائي بكل المقاييس، فلا يوجد تقريبا أصل يحقق عائدا متوسطه 20% سنويا.
 مع بلوغ الذهب قمته في العام الماضي تعرض الذهب لحملة تصحيح محدودة نسبيا، ومنذ ذلك الوقت تميل أسعار الذهب إلى التقلب بصورة كبيرة تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن عقد الذهب قد قارب على الانتهاء، وأن هذه التقلبات تلقي ببعض الشك حول احتمال استمرار الاتجاه العام الصاعد للسعر.
 فالذهب بينه وبين الأساس النقدي الأمريكي نوع من الارتباط، وينتظر مضاربو الذهب دائما بقدر كبير من الشغف الإعلان عن أي تيسير كمي أو تسهيل في السياسة النقدية الأمريكية لتبدأ حمى المضاربة في الذهب، ومؤخرا كانت أنظار مضاربي الذهب متجهة أساسا نحو التيسير الكمي الثالث للاحتياطي الفدرالي، وقد كانت التوقعات حول صعود أسعار الذهب نتيجة لهذا التيسير كبيرة، ولكن حتى الآن يبدو أن هذه الآمال تتبدد شيئا فشيئا.
البعض الآخر يرى أن الذهب لا يعاني من فقاعة سعرية لأن شروط الفقاعة السعرية، من وجهة نظره، لا تنطبق على الأصل حاليا، بل ويؤكد الكثير من المضاربين في الذهب أن التوقعات تشير إلى أن الطلب العالمي على الذهب سوف يستمر مرتفعا في السنوات القادمة، وعلى الأقل في 2012، ومن ثم يجزم المضاربون في الذهب باستمرار الاتجاه الصاعد له، وآخر هذه التوقعات أن سعر الذهب في 2012 سوف يضرب حاجز الـ 2000 دولارا للأوقية، وهو ما يعتبر تراجعا واضحا في التوقعات التفاؤلية حول سعر الذهب التي كانت تصل بهذا السعر وفقا لبعض التوقعات الشاذة إلى 5000 دولارا.
 فمعدلات الفائدة الإسمية صفرية تقريبا، ومعدل الفائدة الحقيقي سالب في معظم أنحاء العالم، وليس هناك في الواقع احتمالات أن تنعكس هذه الاتجاهات لمعدل الفائدة سواء في الأجل القصير أو المتوسط، وهذا ما اكد عليه الاحتياطي الفدرالي من حيث الإبقاء على معدلات الفائدة مثبتة عند مستوياتها الحالية حتى منتصف 2013، وطالما استمرت هذه الظروف في العالم فإن الضغوط على سعر الذهب نحو الارتفاع سوف تستمر في التصاعد.
وسط هذا تتعدد التوقعات حول اتجاهات أسعار الذهب في المستقبل، وربما تكون أقوى وجهات النظر في الذهب هي ما اطلقها مؤخرا المستثمر العالمي وارن بوفيت في التقرير السنوي لمؤسسته Berkshire Hathaway Inc عن عام 2011 حيث وصف الذهب بأنه أصل عقيم لا ينتج أي شيء، وإنما يتم شراءه من جانب المستثمرين لأن المشتري يأمل بأن يأتي شخص ما في المستقبل، والذي يعلم أيضا أن الذهب اصل لا ينتجه يكون مستعدا لدفع سعر أعلى فيه.
لقد شبه بوفيت هؤلاء المشترين بالمضاربين في زهرة التيوليب أحد الأصول المفضلة للاستثمار في القرن السابع عشر، والتي تناولتها هنا على الاقتصادية في الحلقة الأولى من سلسلة عالم لا يتعلم من أزماته، وكما هو شائع يشير بوفيت إلى أن الطلب على اصل عقيم مثل الذهب يكون دائما مدفوعا بالخوف من الانهيار الاقتصادي أو تراجع القيمة الحقيقية للأصول شبه السائلة مثل سندات الدين وكذلك عندما تتصاعد مخاطر انهيار العملات.
يرى بوفيت أن مثل هذا النوع من الأصول الاستثمارية يتطلب تجمعا متزايدا من المشترين الذين يتم إغراءهم بشكل مستمر، والذين يعتقدون أن تجمع المشترين سوف يتسع أكثر فأكثر في المستقبل، وفي ظل هذا التجمع فإن مالكي الأصل لا يندفعون نحو الاستثمار فيه بما يمكن أن ينتجه الأصل، وإنما بالاعتقاد بأن الآخرين سوف يرغبون في الأصل بصورة اكثر وأكثر في المستقبل،
 وفي وجهة نظر بوفيت يعد الذهب من الأصول المفضلة حاليا للمستثمرين الذين يخشون الاستثمار في باقي الأصول، بصفة خاصة النقود الورقية.
 غير أن للذهب عيبان أساسيان هما أنه ليس له فائدة كبيرة لمن يقتنيه في حد ذاته، كما أنه أصل عقيم لا ينتج.
فعندما يتملك شخص ما سبيكة وزنها أوقية من الذهب للأبد، فإنه لن يجد في النهاية سوى أوقيه ذهب، بدون أي زيادة تذكر في المحتوى المعدني للسبيكة،
 واذا كان الأمر كذلك فما الذي يشجع الناس على الاستمرار في اقتناء المعدن؟
 يرى بوفيت أن الذي يشجع المضاربين في الذهب على الاستثمار فيه هو أن العوامل المسئولة عن الخوف من الاستثمارات البديلة سوف تنمو، وقد كانت هذه المعتقدات صحيحة وخلال العقد الماضي، فضلا عن أن ارتفاع الأسعار دفع بالمشترين نحو المزيد من عمليات الشراء والتي حققت توقعاتهم الاستثمارية، خصوصا مع زيادة أعداد المنضمين إلى طابور المشترين،
 وخلال الخمس عشر سنة الأخيرة ارتفعت أسعار اسهم شركات الإنترنت وكذلك ارتفعت أسعار المساكن، وخلال هذه العملية انضم الكثير من المستثمرين إلى مجمع المشترين بالشكل الذي ساعد ارتفاع الأسعار على الاستمرار، غير أن الفقاعات السعرية التي تكونت نتيجة لذلك انفجرت بشده فيما بعد.
وللتأكيد على خطورة الذهب كأصل يشير بوفيت إلى أن إجمالي الذهب المستخرج من باطن الأرض حتى الآن حوالي 170 ألف طنا متريا، والتي اذا ما تم صهرها فسوف تصبح مكعبا أبعاده 68 قدما فقط، واذا ما قورنت قيمة هذا المكعب بباقي الأصول مثل ما يساويه هذا المكعب من أراضي زراعية أو أصول للشركات الضخمة مثل اكسون موبيل، فخلال قرن من الزمن من الآن سوف تنتج الأراضي الزراعية كميات هائلة من المحاصيل الزراعية بينما ستكون اكسون موبيل قد وزعت تريليونات الدولارات من الأرباح وكذلك ينطبق الأمر على باقي الأصول، بينما ستظل كمية الـ 170 ألف طنا من الذهب كما هي بدون أي تغير وأيضا غير قادرة على إنتاج أي شيء.
بالطبع على الرغم من أن الذهب أصل عقيم لا يولد عوائد نقدية (مثل فائدة او توزيعات أرباح)، فإن ذلك لا يعني أن المضارب لا يمكنه تحقيق عوائد من الطلب على الأصل، فكما أشرنا مسبقا أنه ما بين 2001 إلى 2010، تضاعف سعر الذهب أكثر من خمس مرات، ولذلك ينظر إلى الذهب بأنه يعاني من هي الفقاعة السعرية،
 ولكن ما هي الفقاعة السعرية؟
هذا ما سوف أتناوله في الحلقة القادمة إن شاء الله