الأحد، 5 فبراير 2012

في نظرية المعرفة (5)



مجدي عزالدين حسن

الحوار المتمدن - العدد: 3628 - 2012 / 2 / 4 - 09:44

/ محاولة الخروج من نظرية المعرفة التقليدية:
هوسرل
حاول "إدموند هوسرل" تجاوز الثنائيات التقليدية وخاصة ثنائية الذات والموضوع التي كانت لها السيادة المطلقة في تاريخ نظرية المعرفة، ليس ذلك فحسب، بل أن مجمل وسائر مسائل وقضايا نظرية المعرفة تدور حول محور الذات والموضوع والعلاقة بينهما.
هي محاولة هوسرلية إذن للتجاوز. وسنطرح تساؤلاً حول مدى نجاح وقدرة فينومينولوجيا هوسرل على هذا التجاوز، ولكننا لن نجيب عليه إلا بعد أن نتعرض بالتحليل للمحاولة الفينومينولوجية عند هوسرل.
محاولة هوسرل تمثلت في القيام بمراجعة شاملة وجذرية لقضايا نظرية المعرفة، بغية الوصول إلى حل جذري لمشكلاتها العالقة التي اوضحناها سابقاً.

وبالتالي فإن "هوسرل" أراد أن تكون نظرية المعرفة علماً صارماً للأشياء، وذلك من خلال منهجه الفينومينولوجي الذي يهدف إلى الوصول بالذات العارفة إلى معرفة مباشرة تكون بمثابة الأساس الراسخ واليقيني لكل معرفة.

والمنهج الفينومينولوجي يعني بشكل عام: 

" أن نترك الأشياء تظهر على ما هي عليه، دون أن نقحم عليها مقولاتنا الخاصة.
(...) وهذا بالضبط ما كان يقصد إليه هوسرل حين نادى بالعودة إلى الأشياء ذاتها"
"هوسرل" هنا يخالف "كانط" الذي ميز بين (ظاهر الأشياء) و(الأشياء في ذاتها)، ورأى أن بمقدورنا معرفة (ظاهر الشيء) فقط أما (الشيء في ذاته) فلا يمكن للذات العارفة أن تعرفه.
هوسرل يفارق كانط هنا في نقطتين:
النقطة الأولى: تتمثل في أن "هوسرل" لا يقيم تمييزاً بين الشيء و(ظاهر الشيء)، وإنما هناك (الشيء ذاته)، الذي يطلق عليه الظاهرة، باعتبارها " ما هو واضح وما هو معطى، هذا المعطى معطى حدسي لا يخفي وراءه وجوداً أكثر عمقاً أو أكثر صدقاً... لا يوجد وراء (الظاهرة) وجوداً آخر أكثر حقيقة أو صدقاً منها"

وبالتالي فإن مع "هوسرل" لا وجود آخر خارج الظاهرة، والظاهرة هنا تعني الماهية أو العناصر والخصائص الجوهرية الثابتة للموضوع المراد معرفته والتي بدونها لا يكون الموضوع هو ذاته.
النقطة الثانية: التي يفارق فيها "كانط" تتمثل في اعتقاد "هوسرل" بإمكانية معرفة (الأشياء ذاتها) معرفة يقينية. وأن ذلك لا يتأتى إلا إذا جاء وصفنا للظاهرة " صحيحاً ودقيقاً للمدى الذي لا يستبعد من الشيء الموصوف أحد عناصره الجوهرية التي بدونها يتوقف هذا الشيء عن كونه هو ذاته"
وفي سبيل العودة إلى (الأشياء ذاتها)، بمعنى معرفتها كما هي، يرى "هوسرل" أن ذلك يتطلب جملة شروط من أهمها: 

" أن يتخلى الباحث عن كل الاعتقادات والنظريات التي سبق قبولها، وأن يوجه دراسته إلى وقائع الفكر والمعرفة دراسة وصفية محضة، دون التقيد بأي رأي مسبق، ودون إقحام أي فرض ميتافيزيقي على طريقة الفلاسفة المثاليين والواقعيين"
إذن تمثلت هذه المحاولة الهوسرلية في (الفينومينولوجيا الوصفية): هي وصفية لأن هوسرل حاول من خلالها " وصف العمليات الأولى التي يتم فيها تعرف الذات الإنسانية إلى الظاهرات.

هذا التوجه الجديد يحاول مخاطبة الأفعال الإدراكية الذاتية على أنها ظاهرات يتعين وصفها" وهو بذلك يرى أن هذا الوصف سابق ومتجاوز في الآن ذاته لثنائية الذات والموضوع. 
وبذلك فإن هوسرل يتبنى منهج جديد في التعامل مع قضايا نظرية المعرفة، آلا وهو المنهج الفينومينولوجي.
وهو يهدف من خلال تطبيق منهجه هذا إلى " استبعاد مجموع العادات الفكرية التي سادت حتى اليوم، والتعرف على الحواجز الروحية التي تضربها هذه العادات حول أفق تفكيرنا، وهدم هذه الحواجز، من أجل الوصول بعد ذلك بحرية عقلية كاملة إلى المشكلات الحقيقية للفلسفة، التي تقتضي تجديداً شاملاً، والتي سيكون من الممكن بلوغها بعد تحرير الأفق من جميع جوانبه"

وعلى أية حال، فإن الفينومينولوجيا تقدم لنا وصفاً دقيقاً لماهية الظاهرة، على نحو ما تظهر وتتبدى للوعي.
  
ولكن هناك جملة من الشروط الواجب التقيد بها، من أجل الحصول على الوصف الدقيق للظاهرة: 
" فلابد للذهن أولاً من أن يتطهر من الافتراضات السابقة والأحكام المبتسرة.
ومن الضروري كذلك أن نبقى داخل حدود الوصف وأن نقاوم الميل للسير من الوصف إلى الاستدلال" . 

إذن فلكي يكون بإمكان الذات العارفة وصف الظاهرة وصفاً دقيقاً، فلا بد أن تتخلى هذه الذات عن أية اعتقادات سابقة عن الظاهرة (موضوع المعرفة)، وأن تتوجه بكلياتها إلى التناول الوصفي لماهية الظاهرة كما تتبدى للعيان، دون إقحام أية فروض أو وجهة نظر مسبقة.
وباختصار غير مخل بالمعنى:
  الهدف الذي ينشده هوسرل من خلال المنهج الفينومينولوجي، يتمثل في الوصول إلى ماهية الظاهرة كما هي، أي كما تتبدى للعيان.
وذلك من خلال وصف وقائعها، مع الوضع في الاعتبار أن الوصف لكي يكون دقيقاً، فلابد للذات من أن تتخلى عن جميع افتراضاتها واعتقاداتها السابقة عن الموضوع.
وهو ما أطلق عليه هوسرل (وضع الوجود بين قوسين) أو (التوقف عن الاعتقاد في الوجود) حيث " تُعلق عدة أشياء وتحفظ بين هلالين: 
يُعلق كل ما هو ذاتي صرف في إدراكنا للشيء فيتوجه التفكير إلى الموضوع وينحصر فيه... استبعاد ما يخالط هذا الإدراك، دون وعي منا أحياناً، من أحاسيس ومشاعر وعواطف، من رغبات وتمنيات ومخاوف، من ميول (إلى الموضوع وعنه) وتفضيلات ومواقف.
" وبالتالي فإن عملية (وضع الوجود بين قوسين) تعليق الحكم: 
تعني التوقف عن الاعتقاد في الوجود مؤقتاً، والتوقف عن عملية إصدار الأحكام وتعليقها إلى حين تتم عملية الوصف الفينومينولوجي للظاهرة.
والمنهج الفينومينولوجي بهذه الخطوة إنما يستهدف 

" كشف وجهة نظر جديدة، وآفاق جديدة، لا تتبدى إلا بعد (تعليق) العالم الطبيعي و(تعطيل) موقفنا الطبيعي الذي نعترف فيه بهذا العالم ونندمج فيه"
وبهذا المعنى فإن (وضع الوجود بين قوسين) يختلف عن الشك المنهجي عند "ديكارت" 
الذي يرفضه هوسرل " كمنهج لمعرفة ماهية الموضوع، ويرى أن الشك هو نفسه عملية يُصدر من خلالها حكم على الموضوع المقصود في ذاته، وبالتالي لا يمكن أن يحقق معرفة بإصدار حكم على حكم" .
في حين أن المنهج الفينومينولوجي عند "هوسرل" يدعو الذات العارفة إلى التوقف عن إصدار أية أحكام على الظاهرة، ريثما تتم عملية وصفها وتتجلى حقيقتها في الوعي الخالص.
وعلى حسب رأي "جون ماكوري"ـ الذي نوافقه هذا الرأي ـ فإن أمر التقيد والالتزام بهذه الشروط هو " عمل بالغ الصعوبة حقاً ويتطلب نظاماً عقلياً دقيقا للغاية: 

فكيف يمكن للمرء أن يتأكد من أنه أستطاع أن يُبعد جميع افتراضاته السابقة حول موضوع ما؟ 
أو كيف يمكن له أن يكون على يقين من النقطة التي ينتهي عندها الوصف ويبدأ معها الاستدلال أو التفسير؟"
وبالتالي فإن نقطة انطلاق هوسرل الأساسية، كما نلمحها بوضوح في التوجه المعرفي للفينومينولوجيا عنده، إنما تتمثل في مطالبته إيانا بضرورة فهم الخبرة الإنسانية، على أساس جديد يقوم على تجاوز المفهوم التقليدي لنظرية المعرفة، المتمثل في التقسيم الثنائي التقليدي إلى ذات في مقابل موضوع.

ففهم الخبرة كما أظهر لنا "هوسرل" يكشف عن مبدأ فينومينولوجي أساسي هو: 
" أن كل وعي هو وعي بشيء أو موضوع ما".
وهذه الفكرة البسيطة التي تنطوي على بداهة قد تجاهلتها أو أسقطتها نظرية المعرفة التقليدية، وأهلكت نفسها في مناوشات عقيمة لحساب الذات أو لحساب الموضوع (لحساب الوعي أو لحساب الوجود المادي). 
فالفكرة تعني ببساطة أن عالم الأشياء أو الموضوعات ليس من خلق وعينا أو تصوراتنا، ولا وعينا يكون من خلق هذا العالم: 
فالوعي والعالم يوجدان في وقت واحد لا أحد منهما من خلق الآخر، فالوعي ليس سوى توجه نحو عالم الأشياء أو الموضوعات يهدف إلى الاقتراب منها ومحاولة التعرف عليها وفهمها من خلال خبرتنا بها، لا الاستحواذ عليها أو تملكها وإخضاعها لتصوراتنا التي يمكن أن تحجبها عنا"
ونحن إذا أمعنا النظر في الجهاز المفاهيمي الذي يشكل (الفينومينولوجيا الوصفية)، فيمكننا ملاحظة أن مفهومه الأساسي الذي على أرضيته تنبثق بقية المفاهيم وهو مفهوم (القصدية).

يمكننا ملاحظة أن مفهوم القصدية هذا، يؤسس لتجاوز الثنائية التقليدية للذات والموضوع، والتي كانت لها السيادة المطلقة في ميدان قضايا نظرية المعرفة التقليدية.
إن مصطلح أو مفهوم القصد Intentionality 

ليس اختراعاً هوسرلياً أصيلاً، ولكنه سبق أن استخدمه برنتانو(1838-1917م) إلا أن "هوسرل" قد استخدمه ووظفه بشكل مختلف.
حيث أن " قصد الشيء أو عنّيه هو التوجه إليه... كل فعل يتوجه إلى شيء، والتمثل تمثل لشيء، والتذكر تذكر لشيء، والتوقع توقع لشيء، والحكم حكم بشيء، والحب حب لشيء، والأمل أمل بشيء.
وإذا كان الإدراك دائماً إدراكاً لشيء فلنلاحظ أن هذا الشيء ليس بالضرورة شيئاً مادياً بوسعنا الإشارة بالأصبع إليه.
فهذا الشيء قد يكون موضوعاً معنوياً ذا نحو كينوني يختلف عن كينونة الأشياء المادية. 
 من هنا استطاعتي مثلاً أن أدرك، عند الآخرين، الحب والكره، الشغف والنفور، الفهم والطلمسة، الانتباه والشرود"
وبهذا المعنى فإن " قصدية الإدراك لا تعني توجُّهه إلى شيء يُلحق به من الخارج كشيء يمكن أن يكون الإدراك إدراكاً بدونه.
إن الإدراك هو، منذ البداية وبحكم ماهيته الإدراكية، دائماً إدراكاً لشيء،...، وهكذا بالنسبة لسائر أفعال الوعي: كلها وعي معين لشيء معين،...، على النحو الخاص به كإدراك، أو كتذكر، أو كتوقع، أو كحب أو ككراهية، إلى شيئه الخاص. 
على هذا الصعيد الوصفي ينتفي الكلام عن خارج وداخل، فتختفي، إذ ذاك، مسألة العبور بين الذات والموضوع" بذلك يكون المنهج الفينومينولوجي قد قام " بإلغاء المشكلات القديمة التي لم تحل في شطر كبير منها في نظرية المعرفة الحديثة مثل تفاعل الذات والموضوع وتبرير تصورنا للعالم الخارجي بوصفه معرفة حقيقية.
إذ تبدو هذه المشكلات جمعياً في ضوء معقولية الإجراء الفينومينولوجي أوهاماً ومشكلات زائفة، لأنها في واقع الأمر تقوم على تفرقة مصطنعة بين الذات والموضوع، (بين الوعي والوجود). 
أما الفينومينولوجيا فتؤسس كل شيء ـ من جهة أخرى ـ على البنية المباشرة والحدس"
وكأن هوسرل قصد بمنهجه الفينومينولوجي التحرك " إلى ما وراء الحدود القديمة لنظرية المعرفة التي تنعكس في التمييزات بين التجربة الحسية وبين الذهن! أو بين الحساسية والذهن أو بين المباشرة والتوسط" 
ويكون هوسرل بذلك قد قدم الفينومينولوجيا بوصفها تكملة للفلسفة الحديثة بصورة عامة، ولنظرية المعرفة بشكل خاص، وهو ما ظهر جلياً من خلال محاولته المنهجية الرامية إلى تحاشي الانقسام التقليدي بين الذات والموضوع والذي قامت على أساسه نظرية المعرفة. 
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=293955