الأحد، 5 فبراير، 2012

في نظرية المعرفة (4)



مجدي عزالدين حسن
الحوار المتمدن- العدد: 3626 - 2012 / 2 / 2 - 10:28
5/ طبيعة المعرفة:
من أهم القضايا والمسائل التي اهتمت بها نظرية المعرفة اهتماما شديدا، هي مشكلة العلاقة بين الذات العارفة وموضوع المعرفة.
والمشكلة يمكن عرضها على النحو التالي: 
لكي نتحصل على معرفة بموضوع ما، فإن ذلك يتطلب أن تقوم علاقة معرفة بين ذات، من جهة أولى، تدخل هذه العلاقة المعرفية بوصفها ذات عارفة. ومن جهة ثانية تفترض هذه العلاقة موضوع يدخل هذا العلاقة باعتباره موضوعا يراد معرفته.
والأسئلة التي تُحلق بنا في فضاء المشكلة تتمثل في الكيفية التي تتم بها عملية المعرفة:
  كيف يحدث الإدراك؟ 
داخل علاقة المعرفة هذه: 
ما هو الدور أو الوظيفة المعرفية التي تقوم بانجازها الذات؟
وما هو الدور أو الوظيفة المعرفية التي يضطلع بها الموضوع؟
كيف لنا أن نصف علاقة المعرفة هذه؟
هل يمكن للذات أن تخرج من ذاتيتها لتدرك الموضوع في مفارقته؟
وإذا كانت الإجابة بالإيجاب:  فكيف يتأتى لها ذلك؟

 
قدمت نظرية المعرفة (إجاباتها) عن كل هذه التساؤلات من خلال مذهبين عريضين:  المثالي والواقعي.
 
المذهب المثالي نقطة انطلاقه إنما تبدأ من وتتحدد بالذات العارفة أو المدركة التي تقوم بفعل المعرفة.
وبالتالي فإن المثاليون ينطلقون من مسلمة أساسية هي " أن وجود الأشياء الخارجية متوقف على وجود القوى التي تدركها، فإذا انعدمت هذه القوى استحال وجود العالم الخارجي" وهم بذلك يسندون دور ايجابي للذات التي تقوم بوظيفتها حيال معرفة الموضوع.
ويرى المذهب المثالي أن وجود الموضوع يعتمد أولاً وأخيراً على وجود الذات العارفة التي تدركه.
وبالتالي فإن المذهب المثالي يرى أنه ليس هناك من وجود مستقل للأشياء الخارجية بمعزل عن العقل أو الذات التي تقوم بفعل الإدراك والمعرفة.
وبذلك فإن " المثاليات التقليدية تضعنا أمام اختيار يتحتم علينا القيام به: فإذا اعترفنا بوجود العالم أنكرنا المثالية، وإذا اعترفنا بالمثالية تحتم علينا أن نرفض الموقف الطبيعي الذي يفترض وجود العالم"
ويظهر ذلك واضحا مع جورج باركليG. Berkeley(1684-1753) الذي يمكن تلخيص نظرته بالقول:
To be is to be perceived

ليس في وسعنا الحديث عن وجود الأشياء بمعزل عن الذات التي تقوم بفعل المعرفة، وأن يكون الشيء موجوداً فذلك يعني أنه قد تم إدراكه من قبل ذات عارفة.
والأمر المهم هنا يتمثل في أن المذهب المثالي لا يرى أن موضوع المعرفة له وجوده المستقل عن الذات التي تقوم بعملية إدراكه ومعرفته داخل ميدانها، و" النتيجة التي ينتهي إليها المثاليون في هذا الصدد هي أن تدخل الذات في تكوين صورة عن العالم الخارجي معناه أن هذا العالم ليس مستقلاً عنا، وإنما هو معتمد علينا"
وقد وصل هذا المذهب أقصى حد يمكن أن يصله مع جورج باركلي وإدموند هوسرل، والكانطية الجديدة بكافة مدارسها.
"باركلي"، كما رأينا، طابق بين الوجود والفكر، بمعنى أنه طابق بين الموضوع والذات: وذهب إلى أننا لا يمكننا القول بوجود الموضوعات في غياب الذات التي تقوم بملاحظة وإدراك هذه الموضوعات، فإن يوجد الشيء يعني ذلك أن يكون مدركا من قبل الذات، فكل ما هو مدرك فهو موجود وفي غياب الذات العارفة فلا وجود لموضوع.
أما فينومينولوجيا "هوسرل"، فقد " ردت كل الظواهر إلى الوعي الإنساني،...، واعتبرت كل شيء حتى حقيقة الوجود كمعطى من معطيات الوعي"
في حين أن المعرفة وفقا للكانطيون الجدد " ليست فهما أو إدراكا لموضوع ولكنها تركيب لموضوع، أو بمعنى آخر الوجود من خلق الفكر وليس له وجود في ذاته.
تعدى الكانطيون الجدد كانط.. فهم.. ينكرون الأشياء في ذاتها بينما لم ينكر كانط وجودها وإنما أنكر قدرتنا على معرفتها"
المذهب الواقعي من الناحية الثانية، فإننا نجد أن كل تياراته يسلم بأن نقطة بداية الانطلاق إنما تتمثل في الموضوع وليس الذات كما ذهب المثاليون.
وعلى العكس تماما، فإن المذهب الواقعي بكل تياراته، ينطلق من فرضية استقلالية كل من الذات والموضوع. بمعنى أن لكل منهما وجوده المستقل من الآخر، ويبدأ نقطة انطلاقه من فروقية الموضوع وليس من الذات.
بمعنى أنه ينظر ل" الموضوع على أنه ما تتشكل به الذات وما تتعين بمعطياته شروط المعرفة وحدودها" بمعنى أن الذات تلعب دورا سلبيا في عملية المعرفة، وأن وظيفتها إنما تتحدد فقط بتلقي تحديدات الموضوع.
ولكن مشكلة المذهب الواقعي بكافة تياراته تمثلت في أنه لم يكن بمقدوره أن يتجاوز معرفيا مأزق مشكلة الخروج: فكيف للذات أن تخرج من ذاتيتها؟!
علما بأن هذا الخروج هو ما يبني ويؤسس عليه المذهب الواقعي مفهومه للموضوعية، فليس للموضوعية معنى إذا انحصر فعل المعرفة في بطونية الذات، إنما تتأسس الموضوعية نظريا بخروج الذات عن ذاتها.
هذا الخروج الذي يتيح لها كذات عارفة أن تقوم بتلقي تحديدات الموضوع في مفارقته كما هو.
وحتى إذا سلمنا بإمكانية خروج الذات عن ذاتها، فإن السؤال الذي ينبثق من هذا السياق هو: 
كيف يمكن لها (الذات) إدراك الموضوع وهو مفارق لها أصلا؟
بمعنى أخر: كيف تدخل الذات ميدان الموضوع؟
علما أننا إذا سلمنا بدخولها إلى ميدان الموضوع نكون بذلك قد أسقطنا افتراض فروقية الموضوع.
وهو الأمر الذي يبدو أنه بالغ الصعوبة وبعيد المنال، بل حتى غير قابل للحل.
وذلك راجع إلى أننا حينما نبدأ من فرضية استقلالية كلٍ من الذات العارفة وموضوع المعرفة، والنظر إليهما باعتبارهما منفصلين عن بعضهما البعض، فنحن بفعلنا هذا إنما صعبنا مهمة الجمع بينهما بعد ذلك في علاقة المعرفة التي تجمعهما، ووجه الصعوبة إنما يكمن كما أوضحنا سابقا في كيفية الخروج بطريقة مقنعة من شرك الذات.
من جهة أخرى. ثمة سؤال مرتبط بهذا السياق أيضا: هل ما تدركه الذات هو الموضوع عينه، أم ما يتبدى للعيان؟ ويمكن لنا التعبير عن السؤال بمصطلح كانطي بالقول: هل ما تدركه الذات هو "الشيء في ذاته" أم "الشيء كما يبدو لنا"؟
حسب نظرية المعرفة الكانطية، فإن عملية الإدراك مرتبطة ومحدودة بنطاق العالم الطبيعي المحسوس، عالم "الأشياء كما تبدو لنا"، وداخل نطاق هذا العالم يمكننا الجزم بيقينية ما يتم إدراكه ومعرفته.
ويوصف لنا "كانط" الكيفية التي تحدث بها عملية الإدراك والمعرفة بقوله: " الموضوعات لكي تُعرف لنا فلابد أن تدخل في إطار التصورات والمبادئ التي تملكها أذهاننا.
أي أن معرفتنا بالعالم الخارجي عالم الظواهر، لا تتم إلا إذا استطعنا أن نلملم شتات الأشياء وأن نفرض عليها النظام والوحدة، بفضل ما لدى أذهاننا من تصورات ومبادئ نطلق عليها اسم المقولات"
والملاحظ أن الفلاسفة قبله، كانوا يرون أن الموضوع الخارجي له وجوده المستقل عن الذات العارفة.
وأن عملية إدراك ومعرفة هذا الموضوع، إنما هي محاولة تكوين صور للموضوع، يتوقف صدقها على مدى تطابقها مع الموضوع الخارجي الذي تمثله.
في حين يؤكد "كانط" بأنه بداية ليس بوسع الذات العارفة معرفة الموضوع الخارجي كما هو، وإنما معرفتنا اليقينية محدودة بما يتبدى لنا من موضوع المعرفة.
وبذلك فإن "كانط" يرى أن الموضوع حينما يُعرف من قبلنا فإنه يخرج من نطاق وجوده المستقل، ليصبح موجودا بحسب ما عرفناه منه وعنه.
ومعرفة الذات العارفة لموضوع معرفتها، إنما تتم " بواسطة ملكة الفهم التي تفرز المقولات أو المبادئ العقلية التي هي أشبه بالوعاء الذي تنتظم داخله الأشياء الخارجية المدركة عن طريق الحواس، وبمساعدة ملكة هامة أخرى يطلق عليها كانط (الحساسية الخالصة) وهي ملكة وسط بين الحواس الخمسة التي ندرك بواسطتها الأشياء بطريقة حسية مباشرة وبين ملكة الفهم أو الذهن الذي يبدع المقولات والمبادئ العقلية التي تنتظم بداخلها إدراكاتنا الحسية عن تلك الأشياء.
إن هذه الملكة (الحساسية الخالصة) إنما يقتصر دورها على إدراك صورتا (المكان) و(الزمان).(...).
وإذا تم لنا جمع شتات الإحساسات المشتتة المبعثرة، المبهمة الغامضة المضطربة كالألوان والطعوم والأحجام والروائح التي تقدمها لنا حواسنا عن الأشياء والموضوعات الخارجية، ووضعها في إطار "المكان" و"الزمان" اللذان تم فيهما إدراك هذه الإحساسات المبعثرة، لكان بإمكاننا بعد ذلك أن ننظم هذه المادة المعرفية باستخدام مقولاتنا الذهنية مثل "مقولات الوحدة والكثرة"، ومقولة "العلية أو السببية" وغيرها من المقولات أو المبادئ التي لا يمكن أن تتم معرفة إنسانية يقينية إلا باستخدامها ووضع كل خبراتنا الحسية السابقة حول الظواهر في إطارها.
إن المقولات إذن هي الأطر العقلية التي نؤطر كل معارفنا الحسية المحدودة بزمان ومكان معينين في إطارها