الأحد، 5 فبراير، 2012

في نظرية المعرفة (2)

مجدي عزالدين حسن
الحوار المتمدن - العدد: 3622 - 2012 / 1 / 29 - 13:05

مجدي عزالدين حسن


2/ وسائل المعرفة:
هو التساؤل الثاني الذي طرحته نظرية المعرفة، فإذا سلمنا بإمكانية المعرفة الإنسانية، فما هي وسائل المعرفة التي يتوسلها الإنسان لبلوغ حقيقة موضوع معرفته؟ هل هي الحس/ التجربة؟ أم العقل؟ أم الحدس؟ ...الخ.
وفي الواقع لا نجد إجابة واحدة شافية وقاطعة وجازمة لهذا السؤال. 
وإنما تعددت الإجابات بتباين الاتجاهات/المذاهب/المدارس الفلسفية طوال العصور/الحقب التاريخية المختلفة للفلسفة.
" فقد رأى بعض الفلاسفة أن العقل هو المصدر الوحيد لكل صنوف المعرفة وهؤلاء هم العقليون، 
وقال فريق آخر بأن مصدر المعرفة هو التجربة الحسية وحدها وهؤلاء هم الحسيون أو التجريبيون.
وذهب فريق ثالث إلى أن المعرفة قد تصل إلينا لا عن طريق العقل ولا عن طريق الحس، بل عن طريق ملكة أخرى أُطلق عليها اسم الحدس وهؤلاء هم الحدسيون"

المذهب التجريبي Empiricism الفرضية الأساسية فيه، والمشتركة عند جميع أنصاره، تتمثل في أن المعرفة الإنسانية تعتمد بشكل أساسي على التجربة الحسية وتُستمد منها.
ولذلك نجد هذا المذهب قد أعطى للحواس قيمتها المعرفية، ورأى أن الحس هو وسيلة المعرفة الأساسية، وهم بذلك يرون أن " كل ما لدينا من معارف مكتسب وليس فطريا، فالمعرفة تنشأ عن التجربة وتكتسب قيمتها ومضمونها بقدر اتصالها بالواقع التجريبي المحسوس فقط"
ومن أعلام هذا الاتجاه: "توماس هوبز"T. Hobbes(1588-1679) الذي " كان من أوائل الذين مهدوا لظهور المذهب التجريبي في انجلترا فيما بعد، يذهب إلى أن الحس هو الأصل في جميع معارفنا،...، ولا يوجد في العالم سوى المحسوسات"
وقد أنكر التجريبيون Empiricists وجود أفكار فطرية في العقل الإنساني سابقة على أية تجربة، وفي هذا السياق رأى "جون لوك" John Locke(1632-1704) ـ الذي يُؤرخ بكتابه (مقالة في الفهم الإنساني Concerning Human Understanding Essay) تاريخ بداية التفكير الحديث في مشكلة المعرفة ـ أن الإنسان يولد وعقله كالصفحة البيضاء وليس في هذه الصفحة شيء سابق على التجربة ومن ثم تبدأ التجربة تنقش خطوطها في هذه الصفحة، في إشارة إلى أن الأفكار الحقة إنما تتولد من التجربة الحسية. 
وبالتالي فإن جميع " أفكارنا مستقاة من التجربة وحدها، وليس في العقل شيء إلا وكان أولاً في الحس، وهو يجعل التجربة نوعين وفقاً لموضوعها، فإذا كانت تنصب على الأشياء الخارجية المحسوسة كانت إحساساً، وإذا كانت تنصب على أحوال النفس الداخلية كانت تفكيراً، وهي، أي التجربة، ـ داخلية وخارجية ـ المصدر الوحيد للمعرفة"
أما المذهب العقلي Rationalism فإن المسلمة الأساسية التي ينطلق منها ـ والتي يجتمع ويتفق عليها جميع فلاسفته بالرغم من تباين وجهاتهم ومدارسهم التي ينتمون إليها ـ تتمثل في أن وسيلة المعرفة اليقينية الوحيدة إنما تتمثل في العقل، حيث يردون مصدر المعرفة إلى العقل.
بمعنى أن العقل " هو القوة التي تدرك ماهيات الأشياء أو المعقولات، بل وتدرك الحقيقة المطلقة، ثم أن تلك الماهيات أو المعقولات التي في أذهاننا ليست إلا نماذج مماثلة لما في خارج الذهن من أشياء"
ومن أعلامه: ديكارت، مالبرانش، اسبينوزا، ليبنتز.
حيث كان هؤلاء العقلانيون Rationalists يسلمون بوجود أفكار فطرية لم تكتسب من التجربة بل ولدت مع الإنسان، ويزعمون أننا حينما نجعلها نقطة انطلاقنا في أية عملية معرفية يصبح حينئذ " العقل قادر على أن يعرف حقائق مختلفة يقينية... لا تستطيع الملاحظة الخارجية أن تزودنا بها على الإطلاق"
ولنتساءل هنا: ما الذي يقصده العقلانيون بمفهوم الأفكار الفطرية؟ 
من حيث المبدأ فإن الأفكار الفطرية يقصد بها مبادئ عقلية توجد في العقل بطريقة قبلية، وهي بذلك تكون سابقة على أية تجربة إنسانية وليست مستقاة منها، بمعنى أنها تولد مع الإنسان ولا تكون نتاج للتجربة، وبالتالي هي موجودة لدى كل إنسان، ومن خواص هذه المبادئ الفطرية أنها بسيطة وواضحة بذاتها وتكون صادقة بالضرورة حيث " إننا نحكم بصدقها لوضوحها الذاتي، فهي لا تحتاج إلى دليل أو برهان.
وكل ما تستطيع التجربة أن تفعله هو أن توضحها لا أن تبرهن عليها.
ولهذا فقد أطلق الفلاسفة العقليون على معرفة المبادئ العامة التي نحصل عليها بدون مساعدة من الملاحظة الخارجية، اسم المعرفة الأولية أو العقلية في مقابل المعرفة التجريبية البعدية التي نحصل عليها عن طريق التجربة"
إلى أن جاء كانط في العصر الحديث محاولاً التوفيق بين المذهبين التجريبي والعقلي، من خلال إبراز أهمية الدور الذي يلعبه كلا من الحس والعقل في مشكلة المعرفة وهو بذلك يرى أن كلٍ منهما (أي العقل والحس) يكمل الآخر، فالعقل من خلال مبادئه ومقولاته يقوم بفرز وتنظيم المعرفة الأولى التي تمده بها الإحساسات الكثيرة والمبعثرة و" إذا كان التجريبيون يرون في الانطباعات الحسية وما ينشأ عنها من أفكار هي مصدر المعرفة، يشير كانط إلى أن هذه الانطباعات ليست المصدر الوحيد بل يجب إضافة عنصر آخر يمليه العقل وهو التصورات القبلية"
أما المذهب الحدسي Intuitionism سنأخذ كمثال له فلسفة الفيلسوف الفرنسي "هنري برجسون"H. Bergson (1859-1941)، الذي ذهب إلى أن المعرفة قد تصل إلينا لا عن طريق العقل ولا عن طريق الحس، بل عن طريق ملكة أخرى أُطلق عليها اسم الحدس.
ولنتساءل بداية: ما الحدس intuition ؟ 
الحدس هو " نوع من المعرفة المباشرة التي لا تحتاج إلى برهان أو دليل، ولا تحتاج بالتالي إلى الطرق التي تُستخدم في إقامة البراهين، كالقياس بأشكاله المختلفة والاستدلالات والاستنباط...الخ.
الحدس هو معرفة مباشرة تضع العارف (الإنسان) إزاء موضوعه (أي موضوع المعرفة) أيا كان هذا الموضوع" " ونحن نطلق لفظ الحدس على تلك المشاركة الوجدانية التي بمقتضاها ننفذ إلى باطن أي موضوع، لكي نتطابق مع ما في هذا الموضوع من أصالة فريدة، وبالتالي مع ما فيه من خصائص فريدة لا يمكن التعبير عنها" 
ونلاحظ من التعريفين اللذين أوردناهما أعلاه خصائص المعرفة الحدسية التي يمكن أن نجملها في:
أ/ المعرفة الحدسية معرفة مباشرة، وبالتالي فليس ثمة أي وسيط بين الذات وموضوعها، وبالتالي فإن الحدس " يستبعد الترجمات ويحذف التوسطات ويدرك الواقع الحقيقي الأصلي. (...) إذا حدسنا شيئا فذلك يعني أن نعرف فرديته المطلقة وتفرده دون عون من اللغة التي تعوق النفاذ إلى واقعه الحقيقي"
ب/ يمكننا عن طريق الحدس أن نتوصل إلى حقيقة الشيء كما هو، إلى حقيقته المطلقة حيث " يعطينا الشيء كاملا، بتمامه وكماله بحيويته وقوته وثرائه. (...) فهو يعطينا الواقع الحي للأشياء"
وبالتالي فإن المعرفة الحدسية هي معرفة مباشرة تتحصل وتتلقى فيها الذات حيثيات الموضوع كما هو، وإذا أردنا الحديث بواسطة المصطلح الكانطي لقلنا أن الذات العارفة بوسعها الوصول إلى حقيقة " الأشياء في ذاتها" وذلك عن طريق معرفتها معرفة مباشرة عن طريق الحدس، وكأن برجسون يريد حل وتجاوز المأزق الكانطي الذي ميز بين عالمين: "ظاهر الشيء" و"الشيء في ذاته"، وقررت الكانطية أن بوسعنا أن نتوصل إلى معرفة يقينية بشأن العالم الأول عالم "ظاهر الشيء" العالم الطبيعي المحسوس، في حين أن العالم الثاني عالم "الأشياء في ذاتها" فلا يمكن للذات أن تدعي اليقين بصدد موضوعاته.
الآن، فلنرجع ل"برجسون" ونرى ماذا فعل؟
برجسون أيضا ميز بين العلم والفلسفة، وبالتالي فهو ميز بين نوعين من المعرفة: المعرفة العلمية والمعرفة الفلسفية، ورأى أن المعرفة العلمية أداتها العقل، وهي معرفة تدور حول ظاهر الشيء ـ إذا استعرنا المصطلح الكانطي ـ أما المعرفة الفلسفية ووسيلتها الحدس، وهي معرفة تدور حول "الشيء في ذاته".
لكن النقطة التي يتجاوز فيها برجسون كانط إنما تتمثل في:
أنه في الوقت الذي توصل فيه "كانط" إلى عدم إمكانية العقل النظري الوصول إلى معرفة يقينية بصدد " الأشياء في ذاتها" فإن "برجسون" يتفق تماما مع "كانط" في أن العقل بوسعه الوصول إلى معرفة ظاهر الشيء ولكنه يختلف مع كانط في أن المعرفة هنا معرفة نسبية وليست مطلقة.
ويتفق معه أيضاً في أن العقل ليس بوسعه التوصل إلى حقيقة يقينية بشأن "الأشياء في ذاتها" ولكن ـ وهنا مفارقة برجسون لكانط ـ ذلك لا يعني في نظر برجسون أننا لا نستطيع أن نتوصل إلى اليقين بصدد "الأشياء في ذاتها"، فبإمكاننا عبر المعرفة الحدسية أن نتوصل إلى معرفة يقينية شاملة وكاملة ومطلقة ب " الأشياء في ذاتها".
إذن عند "برجسون" هناك وسيلتان للمعرفة العقل والحدس:
أ/ العقل ميدانه متصل بالعلم، وبالتالي فهو وسيلة المعرفة العلمية.
حيث نجد أن " المنهج العلمي القائم على الملاحظة والتجربة يفترض بالضرورة ملكة تنحصر مهمتها في التجريد والتعميم والحكم والاستدلال، ألا وهي ملكة العقل.
والعقل هو الامتداد الطبيعي لحواسنا ولهذا فأن موضوعه الأول هو المادة الجامدة... أن العقل ملكة نشأت لخدمة الجوانب العملية في حياة الإنسان"
ب/ الحدس ميدانه متصل بالفلسفة، ووظيفته التوصل إلى معرفة الأشياء ذاتها كما هي في الواقع الحياتي.
يقارن "برجسون" بين المعرفة العلمية العقلية والمعرفة الفلسفية الحدسية 
ويرى أن الأولى معرفة تقوم على تحليل الشيء وتجزئته حتى تتمكن من معرفته وعلى ذلك فهي معرفة نسبية بمعنى أنها لا تحوط الشيء كله وإنما تعرفه معرفة خارجية، في حين أن المعرفة الحدسية هي التي بإمكانها أن توصلنا وتساعدنا على بلوغ الحقيقة اليقينية المطلقة الكاملة بالشيء ذاته.
ومن جهة ثانية: نجد أن المعرفة العقلية " تعجز عن أن تعطينا الشيء في طابعه الديناميكي الحر، ذلك لأن الشيء يتغير باستمرار، على حين أن تصوراتنا لا تتغير، ومن ثم فأن هذه التصورات تحجّر الموضوع، وهي من هذه الزاوية تشوهه وتجرده وتعزله عن الموقف الحي الشامل الذي يوجد فيه.
وهكذا تعطينا ... وجهة نظر ساكنة لا حركة فيها عن واقع متحرك.
أما الحدس ... يعطينا الواقع الحي للأشياء"