السبت، 17 سبتمبر، 2011

أصول في التعامل مع غير المسلمين:ثالثًا

ثالثًا: أصول في التعامل مع غير المسلمين عموما:
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إنّ الله خبيرٌ بما تعملون﴾ (المائدة: 8).

قال البيضاويُّ: "لا يحملنكم شدة بغضكم للمشركين على ترك العدل فيهم، فتعتدوا عليهم بارتكاب ما لا يحل، كمثلة وقذف وقتل نساء وصبية ونقض عهد تشفيًا مما في قلوبكم. ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ أي: العدل أقرب للتقوى، صرَّح لهم بالأمر بالعدل، وبيَّن أنَّه بمكانٍ من التقوى بعدما نَهاهم عن الجور، وبيَّن أنَّه مقتضى الهوى، وإذا كان هذا للعدل مع الكفار فما ظنك بالعدل مع المؤمنين"[1].
وقال ابن كثير: "ومن هذا - أي ومن العمل بِهذه الآية - قول عبد الله بن رواحة لما بعثه النبيّ صلى الله عليه وسلم يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزرعهم، فأرادوا أن يرشوه ليرفق بِهم، فقال: والله لقد جئتكم من عند أحبِّ الخلق إليَّ، ولأنتم أبغض إليَّ من أعدادكم من القردة والخنازير، وما يحملني حبِّي إيّاه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم. فقالوا: بِهذا قامت السموات والأرض"[2].
عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم دِنيَةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه يوم القيامة))[3].
ودخل ذمِّيٌّ من أهل حمص أبيض الرأس واللحية على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله. قال عمر: ما ذاك؟ قال: العبّاس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. وكان عددٌ من رؤوس النّاس، وفيهم العباس بمجلس عمر، فسأله: يا عبّاس ما تقول؟ قال: نعم، أقطعنيها أبِي أمير المؤمنين، وكتب لي بِها سجلاً. فقال عمر: ما تقول يا ذمّيّ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: نعم، كتاب الله أحقّ أن يتبع من كتاب الوليد. قم؛ فاردد عليه ضيعته يا عبّاس[4].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (سبأ:28).
قال البيضاويُّ: "إلا إرسالة عامة لهم من الكف، أنَّها إذا عمتهم قد كفَّتهم أن يخرج منها أحد منهم، أو إلاَّ جامعًا لهم في الإبلاغ"[5].
وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه قال: ((والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بِي أحد من هذه الأمّة؛ يهوديّ ولا نصرانِيّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلاَّ كان من أصحاب النار))[6].
قال النوويُّ: "فيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا صلى الله عليه وسلم"[7].
البراء: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار، وهي ضد الولاء[8].
قال ابن تيمية: "الولاية: ضد العداوة. وأصل الولاية: المحبّة والقرب. وأصل العداوة: البغض والبعد"[9].
قال تعالى: ﴿ وَأَذَانٌ مّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوْمَ ٱلْحَجّ ٱلأكْبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِىء مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (التوبة: 3).
قال ابن كثير: "وإعلام من الله ورسوله وتقدم إنذار إلى الناس يوم الحج الأكبر - وهو يوم النحر الذي هو أفضل أيام المناسك وأظهرها وأكبرها جميعًا - أنّ الله بريء من المشركين ورسوله: أي بريء منهم أيضًا"[10].
فيجب على المسلمين أن يتبرؤوا ممّن برئ منه الله ورسوله، وعن ابن أبي ملكية، قال: قدم أعرابي في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: من يقرئني ممّا أُنزِل على محمد صلى الله عليه وسلم. قال: فأقرأه رجلٌ براءة، فقال: ﴿إنّ اللهَ بريءٌ من المشركين ورسولِه﴾ بالجر. فقال الأعرابي: أَوَقد برئ الله من رسوله؟! فإن يكن اللهُ برئ من رسوله، فأنا أبرأ منه. فبلغ عمر مقالة الأعرابي، فدعاه، فقال: يا أعرابي، أتبرأ من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي قدمت المدينة، ولا علم لي بالقرآن، فسألت من يقرئني، فأقرأنِي هذا سورة براءة، فقال: ﴿إنّ الله بريء من المشركين ورسولِه﴾، فقلتُ: أَوَقد بريء الله من رسوله؟! إن يكن الله برئ من رسوله؛ فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي. قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ﴿إنّ الله بريء من المشركين ورسولُه﴾. فقال الأعرابِي: وأنا والله أبرأ ممَّا برئ الله ورسوله منه. فأمر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ألا يقرئ الناس إلاَّ عالم باللغة[11].
فأهل الإيمان يتبرؤون من الكفرة جملة وتفصيلاً، قال تعالى: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ ءابَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوٰنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ (المجادلة: 22).
وقد مدح الله نبيَّه إبراهيم عليه السلام في براءته لأهل الكفر والشرك، وأمر بالاقتداء به، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِى إِبْرٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤاْ مّنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَاوَةُ وَٱلْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّىٰ تُؤْمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرٰهِيمَ لأَبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْء رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ (الممتحنة: 4).
قال الطبريُّ: "قد كانت لكم ـ يا أمّة محمّد ـ أسوة حسنة في فعل إبراهيم والذين معه في هذه الأمور من مباينة الكفار، ومعاداتِهم، وترك موالاتِهم إلاّ في قول إبراهيم: ﴿لأستغفرنّ لك﴾، فإنّه لا أسوة لكم فيه في ذلك؛ لأنّ ذلك كان من إبراهيم ﴿عن موعدةٍٍ وعدها إيّاه﴾ قبل أن يتبيَّن ﴿أنّه عدوٌ لله فلمّا تبيّن أنّه عدو لله تبرأ منه﴾، فتبرؤوا من أعداء الله، ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يؤمنوا بالله وحده، ويتبرؤوا من عبادة ما سواه، وأظهروا العداوة والبغضاء"[12].
وسئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز بما نصه: يسكن معي شخص مسيحي، وهو يقول لي: يا أخي، ونحن إخوة، ويأكل معنا ويشرب فهل يجوز هذا العمل أم لا؟
فأجاب رحمه الله: "الكافر ليس أخًا للمسلم، والله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: 10)، ويقول صلى الله عليه وسلم: ((المسلم أخو المسلم))، فليس الكافر - يهوديًا أو نصرانيًا أو وثنيًا أو مجوسيًا أو شيوعيًا أو غيرهم - ليس أخًا للمسلم، ولا يجوز اتخاذه صاحبًا وصديقًا، لكن إذا أكل معكم بعض الأحيان من غير أن تتخذوه صاحبًا وصديقًا، وإنّما يصادف أن يأكل معكم، أو في وليمة عامة فلا بأس.
فالواجب على المسلم البراءة من أهل الشرك وبغضهم في الله، ولكن لا يؤذيهم ولا يضرهم ولا يتعدى عليهم بغير حق، لكن لا يتخذهم أصحابًا ولا أخدانًا، ومتى صادف أن أكل معهم في وليمة عامة أو طعام عارض من غير صحبة ولا ولاية ولا مودة فلا بأس"[13].
نَهى الشرع الحنيف عن مشابَهة الكفار؛ لأنّه يخلق في النفوس ميلاً إليهم، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))[14].
قال ابن تيمية: "المشابَهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابَهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي"[15].
المشابَهة في الظاهر تورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أنّ المحبة في الباطن؛ تورث المشابَهة في الظاهر. وهذا أمر يشهد به الحس والتجربة؛ حتى إنّ الرجلين إذا كانا من بلد واحد ثم اجتمعا في دار غربة كان بينهما من المودة والموالاة والائتلاف أمر عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين، وذلك لأنّ الاشتراك في البلد نوع وصف اختصا به عن بلد الغربة، بل لو اجتمع رجلان في سفر أو بلد غريب وكانت بينهما مشابَهة في العمامة أو الثياب أو الشعر أو المركوب ونحو ذلك لكان بينهما من الائتلاف أكثر ممّا بين غيرهما، وكذلك تجد أرباب الصناعات الدنيوية يألف بعضهم بعضًا ما لا يألفون غيرهم؛ حتى إنّ ذلك يكون مع المعاداة والمحاربة"[16].
قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إنّ الله يحب المقسطين﴾ (الممتحنة: 8).
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، قالت: قدمت عليَّ أمي، وهي مشركة في عهد قريشٍ إذ عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومُدتِهم مع أبيها، فاستفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إنّ أمي قدمت عليَّ وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: ((نعم، صليها))[17].
قال ابن عيينة: "فأنزل الله تعالى فيها: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين﴾"[18].
وعن ابن عمر أنّ عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد، فقال: يا رسول الله، لو اشتريت هذه فلبستها للناس يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّما يلبس هذه مَن لا خلاق له في الآخرة))، ثم جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم منها حللٌ، فأعطى عمر منها حلة. فقال عمر: يا رسول الله، كسوتنيها، وقد قلتَ في حلة عطارد ما قلت؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنّي لم أكسكها لتلبسها)) فكساها عمر أخًا له مشركًا بمكة[19].
قال النوويّ: "وفيه: صلة الأقارب والمعارف، وإن كانوا كفارًا"[20]، والمشركون بمكة كانوا أهل حربٍ.
ومن الإحسان: الإحسان إلى الحربِي الأسير:
قال تعالى: ﴿ويطعمون الطعام على حبّه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا. إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ (الإنسان: 8-9).
قال قتادة: "لقد أمر الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم يومئذ لأهل الشرك"[21].
وقال الحسن: "ما كان أسراهم إلاَّ المشركين"[22].
وقال الطبريّ: "هو الحربي من أهل دار الحرب يؤخذ قهرًا بالغلبة، أو من أهل القبلة يؤخذ فيحبس بحقّ"[23].

[1] أنوار التنْزيل (2/303).
[2] تفسير القرآن العظيم (1/566).
[3] أبو داود في الخراج والإمارة، باب في تعشير أهل الذمّة (3052)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود
(2626).
[4] انظر: صفة الصفوة (2/115).
[5] أنوار التنْزيل (1/344).
[6] مسلم في الإيان، باب وجوب الإيمان برسالة نبيِّنا محمّد صلى الله عليه وسلم (153).
[7] شرح مسلم (2/188).
[8] انظر: الولاء والبراء، د. محمد سعيد القحطاني (ص: 90).
[9] مجموع الفتاوى (5/510).
[10] تفسير القرآن العظيم (2/333).
[11] انظر: الجامع لأحكام القرآن (1/24).
[12] جامع البيان (28/62).
[13] عن موقع الرسمي للشيخ، رقم السؤال (166).
[14] أبو داود في اللباس، باب لباس الشهرة (4031)، وصححه الألباني في الإرواء (1269).
[15] اقتضاء الصراط المستقيم (1/488).
[16] اقتضاء الصراط المستقيم (1/488).
[17] البخاري في الجزية، باب إثم من عاهد ثم غدر (3182)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب فضل الصدقة على الأقربين والزوج (1003).
[18] البخاري في الأدب، باب صلة الوالد المشرك (5979).
[19] مسلم في اللباس والزينة، باب تحريم استعمال الذهب والفضة على الرجال (2068).
[20] شرح مسلم (14/38).
[21] رواه الطبري في جامع البيان (29/209).
[22] رواه الطبري في جامع البيان (29/210).
[23] جامع البيان (29/209).