الثلاثاء، 27 سبتمبر 2011

البطالة تؤدي إلى الموت في جميع الأحوال

الإثنين, 26 سبتمبر 2011 الساعة 07:25


د. علي بن حسن التواتي



البطالة تؤدي إلى الموت في جميع الأحوال













شاهد العالم على شاشات التلفاز الجمعة الماضي محاولة انتحار خمسة من حاملي الشهادات العليا شنقاً في مدينة القصرين التونسية، وهو ما أعاد للأذهان حادثة انتحار محمد البوعزيزي التي أطلقت شرارة الثورة التونسية.
ولربما تشير هذه الحادثة إلى أن شيئاً لم يتغير من الأوضاع التي كانت قائمة قبل الثورة حسب تصريحات الضحايا قبل الإقدام على المحاولة، حيث وصفوا مدى تعرضهم للظلم والمحسوبية على الرغم من وعود وزارة التربية بعد الثورة بضمان تشغيل الفئة التي ينتمون إليها ممن تجاوزت أعمارهم سن الأربعين وطالت بهم مدة البطالة.


صحيح أن محاولة الانتحار تلك حظيت بتغطية إعلامية كافية بسبب اتجاه الأنظار إلى تونس لتبين ما ستنتهي إليه الأمور بعد الثورة، ولكن حالات انتحار كثيرة أخرى بسبب البطالة على طول الوطن العربي وعرضه تحدث كل يوم من دون أن تجذب انتباه وسائل الإعلام العالمية بشكل مكثف، ذلك لأنها حوادث فردية تتناثر أخبارها في الصفحات الداخلية للصحف العربية وتعزى دوافعها للجنون والأمراض النفسية.

ولئن استمرت معظم الدول العربية في إصرارها على التمسك بحالة النكران في الاعتراف بمدى خطورة ظاهرة البطالة، وتزوير بياناتها للتهوين منها، وتجنب طرحها للنقاش العلني أو العمل على معالجتها بشكل جدي، إلا أن العالم الخارجي يرفض هذا النكران ويقوم بجمع البيانات عن الظواهر الاجتماعية السلبية في بلادنا ويوظفها في دراسات علمية جادة حتى يتعرف على ملامح مستقبل المنطقة كي لا يتعرض لمفاجآت غير متوقعة مثل مفاجأة الربيع العربي التي قادت العالم أجمع إلى حالة من عدم الاستقرار وأشاعت مخاوف أمنية وسياسية واقتصادية لم تكن في الحسبان منذ أشهر قليلة.

يعرف العالم بطالة الشباب بأنها تنطبق على الفئة العمرية الواقعة بين 15 إلى 24 عاماً. وتصل نسبتها في المتوسط إلى 40 بالمئة في كل من مصر وليبيا وتونس وسوريا واليمن وفي بعض الدول العربية الأخرى.

ونستطيع أن نتبين بسهولة حجم المأساة التي يمر بها الإنسان العربي إذا ما عرفنا بأن ثلثي السكان يقعون في الفئة العمرية تحت 29 سنة وأن البطالة تنتشر بين الواقعين في هذه الفئة بنسبة تصل إلى 30 بالمئة، وأن 6 من كل 10 أشخاص في 16 دولة عربية تقل أعمارهم عن 30 سنة. 

بل إن الوضع تفاقم في بعض الدول العربية ومنها العراق والسعودية حيث تفاقمت معدلات البطالة لتزيد على مثيلاتها في الدول العربية كافة، وتتخطى 39 بالمئة للفئة العمرية 20-24 عاماً بحسب بيانات مدير القسم الاقتصادي في «البنك السعودي الفرنسي» تركي عبدالعزيز الحقيل الذي يلاحظ أن مصدر معلوماته تجاهل الفئة العمرية من 15-24 عاماً بحسب التعريف الدولي الذي أوردناه سابقاً واكتفى بجزء منها من 20-24 ربما في محاولة للتقليل بشكل أو بآخر من حجم الكارثة على الرغم من اعترافه بكبرها بالمقارنة.

يضاف إلى كل هذا أن معدلات المواليد الجدد مازالت مرتفعة في العالم أجمع والذي يبدو أنه مر بطفرة مواليد أواسط العقد المنصرم، حيث كانت 2006 سنة طفرة للمواليد لم تشهد الولايات المتحدة لها مثيلاً منذ 45 سنة.

وفي دراسة كلفت بها طلابي على مستوى الماجستير في مادة «الاقتصاد الإداري» العام الماضي فوجئنا بأن سنة 2005 كانت سنة «طفرة المواليد» في السعودية. 

حيث بلغ عدد المواليد ذلك العام في مستشفيات وزارة الصحة فقط 1.037 ألفاً، في حين لم يتعد المتوسط للسنوات التسع الباقية 288 ألف طفل في العام.

وطالما أن البطالة عرفت بأنها ظاهرة كان لا بد من البحث عن الدوافع المحركة لها. ولكن ما يؤسف له أن معظم المحاولات التي بذلت للتحقق من العوامل التي تؤدي إلى هذه الظاهرة المدمرة في الوطن العربي اقتصرت على العوامل السياسية والاجتماعية بما فيها الرقم القياسي الذي أعدته الـ«إيكومنومست» وأسمته «الرقم القياسي لقاذفي الأحذية» في محاولة منها للتعرف على الدوافع الكامنة خلف تمدد ظاهرة الربيع العربي، 

حيث تجاهلت البطالة بحجة أنها تتفاوت بشكل كبير بين قطر وآخر في الوطن العربي ويصعب حصرها في متغير يعتد به، ضمن المتغيرات المستقلة التي تمثل الدوافع المحركة أو الكامنة للثورة،
واكتفت بنصيب الفرد من إجمالي الناتج الوطني وهو مؤشر كمي لا يعتد به خصوصاً في دول العالم الثالث، حيث لا يعكس متوسطه حقيقة توزيع الدخل الذي يشهد فجوة مخيفة بين الخمسة في المائة الذين يملكون وباقي المواطنين الذين لا يملكون.

والمطلوب منا في العالم العربي حالياً أن نمعن النظر في الدوافع والعوامل التي تفرز ظاهرة البطالة التي تؤدي في مداها المتطرف للجوع والموت بمفهومه الحسي الواضح الذي نراه في الصومال، أو إلى الحالة المتفشية في طول البلاد العربية وعرضها وهي الجوع بمفهومه الغذائي من حيث عدم التوازن الغذائي والصحي ومن ثم إلى الموت نتيجة لانخفاض عدد سنوات العمر المتوقع عند الولادة، أو للإحباط واليأس من المستقبل والحياة ما يؤدي أيضاً للموت انتحاراً في المدى المتطرف الآخر للبطالة.

وعلى الرغم من إيماني بأن الفساد والمحسوبية والإقصاء العائلي والمناطقي والقبلي هي من العوامل التي لا يمكن تجاهلها في خلفية البطالة إلا أن التوصل للتعرف على العوامل الاقتصادية المسببة للظاهرة يعتبر أهم ما في المسألة.

  إن التوصل إلى حلول دائمة وحقيقية يكمن في العمل على تطوير وتحفيز نشاطات محركة للنمو بمعدلات كبيرة أو حتى مستقرة وذلك بالعودة إلى الأساسيات والاعتراف بأن البطالة التي نعاني منها في الوطن العربي هي بطالة هيكلية متوطنة أسهم في تعميقها وتجذيرها اللجوء إلى الحلول السهلة السريعة مثل استقدام المزيد من العمالة المغتربة وهو ما يؤدي إلى التراخي والتباطؤ في تطوير أنظمة التعليم ومناهجه لخدمة التنمية وتوفير الكفاءات المحلية الملائمة لسوق العمل،
بل واللجوء في كثير من الأحيان إلى الحلول التجميلية المكلفة التي تتطلب تمويلاً حكومياً وخاصاً إضافياً لا مردود من ورائه مثل التوظيف لغرض التوظيف أو صرف إعانات البطالة على نطاق واسع.

ولذلك آمل أن تسارع الدول العربية كافة، سواء منها التي أزهر فيها الربيع العربي أو التي تنتظر، إلى العمل على تطوير استراتيجيات لضمان حد أدنى من النمو المرتبط بتوظيف المواطنين في الفئات العمرية المختلفة في نشاطات منتجة خصوصاً أن القادم لمنطقتنا أسوأ مما مر بحسب «صندوق النقد الدولي» الذي خفض من توقعاته للنمو في الشرق الوسط وشمال إفريقيا إلى 4.2 بالمئة لهذا العام وإلى 3.6 بالمئة العام المقبل من 4.4 بالمئة في تقديراته السابقة. 

كما أن إنتاج النفط الذي تستخدم عائداته في بعض دول المنطقة لتوفير حلول تجميلية مؤقتة قد يتأثر بدرجة أكبر بالتعقيدات المتوقعة في أسواق الطاقة العالمية.

للتواصل مع الكاتب:
a.altawati@alrroya.com
http://alrroya.com/node/150861