الجمعة، 12 أغسطس 2011

تعريف الضمان المصرفي



في المقالات الثلاثة السابِقة كان التركيزُ فيها يدورُ حولَ الحُكم الفِقهي للعلاقة بين أطراف بطاقة الائتمان؛ مِن بنك، وعميل للبنك، وتاجر، ومنظَّمة راعية، وخلصنا فيها إلى أنَّ عمل البطاقة قائمٌ على الضمان المصرفي، فإنَّ التاجر يتعامل مع حاملِ البطاقة وهو لا يعرِفه، وإنما قَبِل التعامُل معه بناءً على ضمانِ المصرف وتعهُّده بالسداد، وإذا كان التعاملُ بالبطاقة قائمًا على الضمان، أُريدُ أن أُخصِّص هذا المقال الأخير عن الضمانِ المصرفي: تكييفه الفقهي، وحُكم أخْذ العمولة عليه.

تعريف الضمان المصرفي:


الضمان المصرفي:
 "هو تعهُّدٌ كِتابي يتعهَّد بمقتضاه البنكُ بكفالة أحدِ عملائه في حدودِ مبلَغ معيَّن تجاه طرَف ثالث، بمناسبة التزامٍ مُلقًى على عاتقِ العميل المكفول؛ وذلك ضمانًا لوفاءِ هذا العميل بالتزامه تُجاهَ ذلك الطرَف خلالَ مدة معينة، على أن يدفعَ البنكُ المبلغَ المضمون عندَ أول مطالبة خلالَ سَريان الضمان بغضِّ النظر عن معارضة المدين أو موافقته في ذلك الوقت".

أركان خطاب الضمان هي:

1- الكفيل: وهو المصرِف الذي يُصدِر التعهُّدَ الخطيَّ بدفْع مبلغ معيَّن نِيابةً عن العميل خلالَ مدَّة معينة.

2- المكفول عنه: وهو العميلُ حامِل بطاقة الائتمان.

3- المكفول له: (المستفيد): وهو التاجِرُ قابلُ البطاقة.

4- المكفول به: وهو مبلَغ الضمان الذي الْتَزم المصرفُ بدفعه، وصدَر الخِطابُ به.

التكييف الشرعي لخطاب الضمان:

تكييفُ خِطاب الضمان المصرفي مُختَلَفٌ فيه، ويكاد أكثرُ الباحثين يعترفون بأنَّ الأمر يفتقر إلى عنايةٍ مِن البحوث التخصصيَّة التي تكشِف حقيقته.

ففي ندوة البركة الثالثة للاقتصاد الإسلامي المنعقِدة بإسطنبول، جاء فيها:

"أمَّا أخْذ الأَجْر على خطاب الضمان غير المغطَّى بنسبة مبلغ الضمان - كما هو معمولٌ به في البنوك - فقد رأتِ اللجنةُ بأغلبية الآراء أنَّه يحتاج إلى مزيدٍ مِن الدراسة والتمحيص، والاطِّلاع على النماذج المستعمَلة في مختلف الحالات، والتي طُلِب من المختصِّين في البنوك تقديمُها للنظر فيها".

وقالت الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية بعدَ أنْ ذكَرَتْ رأيها في خِطاب الضمان المغطَّى وغير المغطَّى، وحُكْم أخْذِ العوض في الحالين، فقد ختمَتْ قرارَها بقولها: "على أنَّ المسألة تحتاج إلى مزيدٍ مِن التأمُّلِ والبحث، وأنَّ الهيئة تأمل في تحقيقِ ذلك".

وإذا كان أطرافُ الضمان ثلاثة، هم: المصرف والعميل والمستفيد، فإنَّ الباحثين لا يختلفون بأنَّ علاقة المصرف بالمستفيدِ هي علاقةُ ضمان؛ وإنَّما الخلاف في علاقة المصرِف بالعميل.

القول الأول:

قيل: إنَّ خِطاب الضمان هو كفالةٌ محْضَة، سواء كان بأمْر المكفول أو بدون أمره.

وجه ذلك:
أنَّ خِطاب الضمان المصرفي: هو تنفيذٌ للالتزام الذي ترتَّب في ذِمَّة المكفول، فهو بهذا يعني: ضمَّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّة أخرى، وهذا هو حقيقةُ الضمان.

ونُوقِش هذا التخريج:

بأنَّ هناك فرْقًا بين الكفالة في خِطاب الضمان، وبيْن الكفالة في الفِقه الإسلامي:
فالتزامُ الكفيل في الفِقه الإسلامي تابعٌ لالتزام المدين المكفول مِن حيث صحَّتُه وبُطلانُه، فالضامن فرْعٌ عن الأصيل، فإذا بطَل الدَّين المكفول به بطَل الضمان، وإذا صحَّ وثبَت الدَّين ثبَت الضمان، بينما التزام الكفيل (المصرف) في خِطاب الضمان يَحكُمه خطاب الضمان وحْده تُجاهَ المستفيد، فالمصرف ملتزمٌ بما نصَّ عليه خطابُ الضمان، وما تضمَّنه مِن شروط، ولا شأنَ له بالشروط التي بين العميل والمستفيد، فهو يلتزمُ بالدَّفْع أيًّا كان مصيرُ العقد بيْن العميل والمستفيد.

ويجاب:

بأنَّ هذا الفارقَ القانوني لا يُخرِج الخطابَ مِن كونه نوعًا من الكفالة، فالتزام المصرف بالدَّين الذي على العميل هو في حقيقته كفالةٌ لا غير، سواء كان هذا الالتزام مشروطًا بثبوتِ الدَّين - كما هو معروفٌ في الفِقه الإسلامي - أو كان هذا الالتزامُ مُطلقًا غير مشروط.

وكون التزام المصرف في خِطاب الضمان يَحكُمه خطاب الضمان، ولا شأنَ للبنك بسببِ الضمان القائِم بيْن العميل والمستفيد، هذا الفصْلُ بيْن الضمان وسببِه، هذه مسألة لم تُبْنَ على حُكم فِقهي، والفصل فيها ليس عادلاً؛ لأنَّ الضمان هو عقدٌ تابع، وليس مستقلاًّ، وهو خروجٌ عن الأحكام الشرعية.

وقيل: إنَّ خطاب الضمان وكالة؛ اختار ذلك جماعةٌ، منهم سامي حمود.

وجه ذلك من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول:

أنَّ الكفالة بالأمر يرجِع فيها الكفيلُ بما يَدفَع على مَن أمره بذلك تمامًا كما يرجِع الوكيل؛ لأنَّ الكفالة بالأمر ما هي إلاَّ وكالة بالأداء.

ويجاب:

الحقيقةُ أنَّ الكفالة بالأمر لا تتغيَّر فيها الحقيقةُ الشرعية للضمان، وهي شغل ذِمَّتَين بحقٍّ واحد، فالحقُّ قَبلَ الكفالة كان واجبًا في ذِمّة الأصيل، فبوجودِ الكفالة انضمَّتْ ذِمَّةٌ أخرى إلى الذِّمَّة الأصلية لتوثيقِ هذا الحق، ومعظم الكفالة التي تتمُّ إنما تتمُّ بالأمر مِن المكفول عنه، وهذا الأمر لا يُغيِّر من الطبيعة الشرعية التي تقوم عليها الكفالة.

فالوكالة عقدُ استنابةٍ، فالوكيل نائبٌ عن الموكل وليستْ ذِمَّته مشغولةً بدَين الموكل، بخِلاف الكفالة، والوكالة عقدٌ جائِز، والكفالة عقدٌ لازم في حقِّ الكفيل.

وأمَّا رجوعُ الكفيل على المكفول إذا دفَع عنه بغير أمرِه، ففيه خلافٌ بيْن أهل العلم، وليس مردُّ هذا إلى الخلاف في تكييف العقد، فهو عندَهم عقد كفالة مطلقًا، سواء قلنا يرجِع، أو قلنا بعدم الرجوع، إلا أنَّ مَن قال: لا يرجِع إلا إذا كانتِ الكفالة بأمر المكفول، رأى أنَّ الضامن هنا متبرِّع، والمتبرِّعُ لا يرجع بما تبَرَّع، ومَن قال: يرجع مطلقًا إلا إذا نوَى التبرُّعَ بأنَّ الإنسان إذا دفَع عن الغير ما وَجَب عليه فإنَّه مُحسِن، والأصل عدم التبرُّع.

الوجه الثاني:

أنَّ الكفيل يَحُلُّ محلَّ المكفول في الوفاء بالتزاماته، فهو مخيَّر بين أن يقوم بالعمل الذي كفله، أو أن يدفعَ المال، بينما البنكُ الذي يُقدِّم خطابَ الضمان إلى مقاول - مثلاً - لا يُطلَب منه أن يقومَ بالأعمال المطلوبة مِن المقاول، وإنما عليه أن يقومَ بتعهُّده بدفْع المال المتَّفق عليه، سواء كان التزامُ المقاول أعْلى أو أقلَّ كثيرًا مِن خطاب الضمان.

ويجاب:

بأنَّ الكفالة بخِطاب الضمان لم تتوجَّهْ إلى القيام بالعمل، وإنَّما هي موجَّهة إلى شيءٍ محدَّد، وهذا سائغٌ في الكفالة، فلا يشترط أن يَحلَّ الضامنُ محلَّ المكفول في كلِّ أعماله.

الوجه الثالث:

أنَّ الكفالة عقدٌ قائم على التبرُّعِ ابتداءً، والمعاوضة انتهاءً إذا كانتْ بناءً على طلب المكفول، وهذا بخِلاف حال الضمان، حيث إنَّ نية التبرُّعِ ليستْ قائمةً لا في الحال ولا في المآل.

ويناقش:
بأنَّ هذا استدلالٌ في غير محلِّ النزاع، فنحن لا نَقبل أبدًا أن يكون الضمانُ المصرفي محلاًّ للمعاوضة ابتداءً، وأمَّا المعاوضة انتهاءً فإنْ آل الضمان إلى القرض تحوَّل إلى معاوضة انتهاءً، وإلا بقِي الضمان التزامًا مجرَّدًا، وهذا لا فرْقَ فيه بين خِطاب الضمان وبيْن عقد الكفالة.

القول الثاني:

قيل: إنَّ خطابَ الضمان يجمَع بين الكفالة والوكالة، فهو يتضمَّن معنى الضمان؛ لأنَّه التزامٌ من المصرف للمستفيد، كما يتضمَّن معنى الوكالة، حيث يقوم المصرفُ نِيابةً عن عميله بإجراءات إتمام ما يشتمل عليه كتابُ الضمان، وتسهيلها، ويستحقُّ ما يدفعه المصرفُ على الآمِر في دفْعِه للمستفيد.

ويجاب:

بأنَّ العقدَ إمَّا عقد كفالة أو عقد وكالة، ولا يُمكن أن يكون خطابُ الضمان مجموعَ العقدين في آنٍ واحد؛ لاختلافِ أحكامهما، وقيامُ المصرف نيابةً عن عميله بإجراءات إتمام ما يشتمل عليه كتابُ الضمان، لا يُخرِجه عن الضمان.

القول الثالث:

قيل: إنَّ خطاب الضمان إذا كان غيرَ مغطًّى مِن العميل، فإنَّ العقدَ عقدُ ضمان، وعلى هذا فالضامنُ هو المصرف، والمضمون هو العميل، والمضمون له: هو الطرَف الثالث (المستفيد).

أما إذا كان العميلُ قد أوْدَع لدَى المصرف ما يُغطِّي الخطابَ، فإن العلاقة بينهما علاقة وكالة، حيث وكَّل العميلُ المصرف ليقومَ بالأداء عنه، فلا توجد كفالةٌ بين الطرفين، غير أنها تكون بين المصرف والطرف الثالث (المستفيد)، فالمستفيد يقبل خطابَ الضمان من المصرِف باعتبار المصرف كفيلاً، لا وكيلاً.

وإنْ كان الخطابُ مغطًّى جزئيًّا، فما غُطِّي يأخذ معنى الوكالة، وما لم يُغطَّ يأخذ معنَى الضمان، وبهذا أخذتْ الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية، وبه صَدَر قرارُ مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظَّمة المؤتمر الإسلامي، واختاره جمعٌ من الباحثين، منهم: الشيخ علي السالوس.

وجه هذا القول:

أنَّ خطاب الضمان إنْ كان بدون غطاءٍ، فهو كفالة؛ لأنَّ فيه ضمَّ ذِمَّة إلى أخرى مِن أجْل توثيقِ الحق.

وأما إذا كان خطابُ الضمان بغطاءٍ، فهو يمكن تشخيصُه وتكييفُه إلى اعتبارين:

فهو بيْن المستفيد وبيْن المصرف (البنك) عبارة عن كفالة؛ لأنَّ المستفيد يشعر بأنَّ ذِمَّة المصرف قد شُغِلت بالدِّين الأصلي.

وأمَّا العلاقة بين المصرف وبين طالب الضمان، والذي قدَّم مقابلاً لهذا الضمان، فإنَّه عبارة عن وكالة؛ لأنَّه أعطى مالاً، وطلب مِن الضامن أن يدفَع هذا المال عندما يطالب به، ولا يُستنكَر أن يكون للتصرف الواحد اعتباران، فهناك كثيرٌ مِن العقود تُعتبَر لازمةً بالنسبة لطرَف، وغير لازمة بالنسبة لطرَف آخر.

ثمرة الخلاف:

إذا قلنا: إنَّ خطاب الضمان هو عقدُ كفالة مطلقًا، لم يَجُزْ أخذ العوض على الضمان، وسيأتي بحثُ أخْذ العوض على الضمان في مبحَثٍ مستقل، وبيان الخلاف فيه - إنْ شاء الله تعالى.

وإنْ قلنا: إنه عقدُ وكالة مطلقًا جاز أخْذُ العوض على خِطاب الضمان؛ لأنَّ الوكالة تجوز بأجرٍ وبدون أجر.

وإنْ قيل: إنَّه عقدٌ مركَّب من عقد وكالة وضمان، إمَّا مطلقًا أو في حال كان الضمان قد غُطِّي جزءٌ منه، فهناك مَن يُجيز أخذَ العوض على الوكالة، ولا يُجيز أخذَ العوض على الضمان، كما هو رأي مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظَّمة المؤتمر الإسلامي، ورأي الهيئة الشرعية في شركة الراجحي المصرفية.

مناقشة هذا التخريج:

الذي أميل إليه أنَّ خِطاب الضمان هو عقدُ كفالة مطلقًا، سواء كان بغطاءٍ كلِّي أو جُزئي، أو كان بغير غطاء؛ لعِدَّة أسباب:

السبب الأول:
أنَّ الوكالة تفويضٌ بالأداء دون التحمُّل، والبنك تحذف في خطاب الضمان ليس مفوَّضًا بالأداء فقط، وإنما ذِمَّته مشغولةٌ بالحقِّ الذي وجَب للمستفيد، مطلقًا، سواء قام العميلُ بالغطاء أو لم يقُمْ بذلك.

السبب الثاني:


أنَّ المستفيد لم يَقبلِ البنكَ كنائبٍ عن العميل في الأداء، فإنَّ هذا الأمر لا يضمن له حقَّه، وإنما قَبِل البنك كضامنٍ للحق، فإنَّ هذا هو الذي يحفظ له حقَّه، ويوفِّر له قدرًا من الأمان بأنَّ حقَّه لن يضيع.

إذا كان المخالِفُ يُقِرُّ بأنَّ علاقة المستفيد بالمصرف هي علاقةُ ضمان مطلقًا، فمِن المعلوم أنَّ المصرف إنما ضمِن العميلَ لصالح المستفيد، فرجع إلى أنَّ العميل مضمونٌ عنه ولا بدَّ؛ لأنَّ عقد الضمان في خِطاب الضمان أطرافه ثلاثة، فسقط التكييفُ بأن خطاب الضمان بالنسبة للمستفيد كفالة، وبالنسبة للعميل هو عقْد وكالة.

السبب الثالث:

أنَّ عقد الوكالة عقدٌ جائز، وعقد الضمان عقدٌ لازم، ونحن هنا أمام عقدٍ لازم، وليس عقدًا جائزًا، إلا أن يُقال: إنَّ عقد الوكالة بالشرْط يصبح لازمًا.

السبب الرابع:

أنَّ المصرف لو كان وكيلاً لم يضمنِ المال الذي قبَضَه مِن العميل غطاءً للضمان فيما لو هلك بلا تعدٍّ ولا تفريط؛ لأنَّ الوكيل أمين، والواقع أنَّ المصرف ضامنٌ للمال الذي استلمَه، فليستْ يدُه يدَ أمانة.

السبب الخامس:

أنَّ هذا الغطاءَ هو قرضٌ في ذِمَّة المصرف؛ لأنَّ المصرف لا يجمده، بل يأخذُه ويتملَّكه ويستثمره، فيكون التكييفُ حقيقة: أنَّ الضامن مدين للمضمون عنه بمِثل مال الضمان إنْ كان خطاب الضمان مغطًّى كليًّا، أو مدينًا ببعضه إنْ كان جزئيًّا، ثم تحدُث المقاصُّةُ بين الدَّينَيْن إنْ تحمَّل المصرف دفْعَ قِيمة الضمان؛ لأنَّ المال المغطَّى لا يكون مجمَّدًا لا يتصرَّف فيه البنكُ حتى يكون وكيلاً نائبًا عن المالك؛ ولذا أرى أن خطاب الضمان هو عقدُ كفالة مطلقًا غُطِّي أو لم يُغطَّ، وجواز أخْذ العوض على الضمان إذا كان مغطًّى بالكلية جائزٌ، ليس لأنَّه خرَج عن كونه مِن عقود الضمان؛ وإنما لأنَّ الضمان فيه لا يؤول إلى قرْضٍ جرَّ نفعًا، والله أعلم.

ولو قيل: إنَّ عقد الضمان عقدُ وكالة وضمان فيما لو غُطِّي بعض قيمة الضمان، لم يجُزْ - فيما أرى - أخْذُ العوض على خطاب الضمان؛ لأنَّ العقد المركَّب مِن عقدين:

• عقد وكالة، يجوز أخذ العوض عليه.

• وعقد ضمان للدَّين غير مُغطًّى، لا يجوز أخذُ العوض عليه.

فلو قُدِّم عقد الوكالة بشكلٍ منفرد، لجاز أخْذُ العوض عليه، وطلب الرِّبْح مِن ذلك، أما إذا اجتمع مع الضمان فإنَّه لا يجوز أخذُ العوض على الوكالة حتى يفصلَ عن الضمان؛ حتى لا يؤدِّي ذلك إلى أخذِ العوض على الضمان بالاختباء وراءَ سِتار عقد الوكالة.

وقدْ وضَّحْتُ في المقالات السابقة أنَّ الراجح في العقود المشترَكة منعُ الجمع بين كلِّ عقدين يترتَّب على الجمع بينهما محظورٌ شرعي، وإنْ كان كل واحد منهما جائزًا بمفرده، فليس كلُّ عقدٍ جاز منفردًا جاز مضمومًا إلى غيرِه، فهذا عقدُ القرض جائزٌ بالإجماع، وعقد البيع جائزٌ بالإجماع، وإذا باعَه بشرْط أن يُقرِضه حرُم ذلك بالإجماع.

في حكم أخذ العمولة في مقابل الضمان:

قبل أن أتكلَّم في حُكم المسألة أحرِّر محلَّ النزاع:

لا مانع شرعًا مِن أخْذ الضامن للتكاليف والنفقات الفِعلية التي تكبَّدها في سبيلِ تقديم الضمان؛ لأنَّه إذا جاز أخذُ نفقات القرْض من المقترض، جاز أخذُ ذلك في الضمان مِن باب أَوْلى؛ ولأنَّ أخذ الضامن لهذه التكاليف لا يُعتبَر من باب المعاوضة، وإنما استحقاقٌ وجب في ذِمَّة المضمون عنه للضامن، وأخذ الضامن لها إنما هو مِن باب دفْعِ الضرر عنه، فهو مُحسِن، وما على المحسنين مِن سبيل، ويمكن أن نُطلِق على ذلك: استرداد المصاريف الإداريَّة؛ حتى لا يُفهَم منه أنَّ ذلك أجْرٌ على الضمان.

ويدلُّ على هذا ما رواه البخاريُّ من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الرَّهْنُ يُركَب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبن الدرِّ يُشرَب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يرْكَب ويشرب النفقة)).

فالمقصود في هذه المسألة حُكْم أخْذ العمولة (عوض مالي)، في مقابلِ الالتزام بالدَّين وتقديم الضمان.

وقد اختَلَف العلماءُ في هذا:

فقيل: لا يجوز أخْذُ العوض على الضمان، وهو مذهب الأئمَّة الأربعة على خلافٍ بينهم: هل يبطل العوض وحْدَه، ويصحُّ الضمان، أو يبطُلاَ معًا؟ وبه أفتتِ اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، وقال به جمعٌ من العلماء المعاصرين.

وقيل: يجوز أخْذُ العوض على الضمان، وهو قولٌ منسوب لإسحاق بن راهويه، وقال به مِن المتأخرين شيخُ شيخِنا عبدالرحمن بن ناصر السعدي، والشيخ علي الخفيف، والشيخ عبدالرحمن عيسى، والشيخ أحمد علي عبدالله، والدكتور حسن الأمين، والدكتور زكريا البري، والشيخ نزيه حماد، والشيخ عبدالله بن منيع، والدكتور محمد مصطفى الشنقيطي.

وقيل: إذا كان العميلُ قد أودَع لدَى المصرف ما يُغطِّي قيمةَ الضمان، فإنه يجوز أخْذُ العمولة عليه، وبهذا أخذتِ الهيئة الشرعية لشركة الراجحي المصرفية، وصدَر بذلك قرارُ مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظّمة المؤتمر الإسلامي، واختاره جمعٌ من الباحثين، منهم الشيخ علي السالوس.

دليل من قال: لا يجوز أخذ العوض على الضمان:

الدليل الأول:


الإجماع؛ قال ابنُ المنذر: "أجْمَع مَن نحفظ عنه مِن أهل العلم على أنَّ الحَمَالة بجُعْل يأخذه الحميلُ، لا تَحِلُّ ولا تجوز".

وقال الدردير: "وأمَّا صريح ضمان بجُعْل، فلا خلافَ في منعه؛ لأنَّ الشارع جعَل الضمان والجاه والقَرْض لا تُفعل إلا لله تعالى، فأخْذ العوض عليها سُحْت".

وجاء في "مواهب الجليل": "حَكَى ابن عرفة عن اللخمي: الضمان بجُعْل لا يجوز - ابن القطان عن صاحِب الأنباء إجماعًا".

ونوقش دعوى الإجماع:

قال ابنُ منيع: "إنَّ القول بمنْعِ الأُجْرة على الضمان ليس محلَّ إجماع بين أهل العلم، وإنْ ذَكَر ذلك ابنُ المنذر - رحمه الله - فقد قال بجوازه الإمام إسحاقُ بن راهويه، أحدُ مجتهدي فقهائِنا الأقدمين، وهو سابقٌ لابن المنذر، وقال بجوازه مِن فقهائنا في العصور المتأخِّرة من علماء الأزهر الشيخ علي الخفيف، والشيخ عبدالرحمن عيسى، والشيخ عبدالحليم محمود، ومِن علماء المملكة الشيخ عبدالرحمن بن سعدي، والشيخ عبدالله البسَّام...".

ويجاب على ذلك:

الذي حَكَى الإجماعَ ليس ابنَ المنذر فقط، فقد حكاه ثلاثةٌ من العلماء كما نقلتُ في الاستدلال، وأمَّا خِلاف المتأخرين فهو محفوظ، ولا يُخرَق به الإجماع، وأمَّا القول المنسوب للإمام إسحاق فلو صحَّ لخرَق الإجماع، وكنتُ أتمنَّى أن أجِدَ عبارةً عن الإمام إسحاق تقول: إنْ أخذ العوض في مقابل الضمان صحيح، أو أي عبارة تؤدِّي نفس المعنى بوضوح ودون احتمال، والعبارة المأثورة عن الإمام إسحاق حكاها ثلاثةٌ مِن العلماء إسحاق بن منصور في "مسائل إسحاق"، وابن المنذر، والماوردي في "الحاوي الكبير"، والأول والثاني حكيَا عبارة الإمام إسحاق بنصِّها، والثالث ساق فَهْمَه لعبارة الإمام إسحاق، ولنتأمل هذه العبارة؛ هل تُعطينا ذلك الجزمَ بأنَّ الإمام إسحاق يرى جوازَ أخْذ العوض على الضمان:

جاء في مسائل الإمام أحمد وإسحاق رِواية إسحاق بن منصور: "قال سفيان: إذا قال رجلٌ لرجل: اكفلْ عنِّي، ولك ألْفُ درهم: الكفالة جائِزة، ويردُّ عليه ألف درهم.

قال أحمد: ما أرى هذا يأخذ شيئًا بحقٍّ.

قال إسحاق: ما أعطاه مِن شيءٍ فهو حسَن".

ونقَل هذه العبارةَ ابنُ المنذر، فهذا النص في الحقيقة لا يجعل الباحثَ يجزم بأنَّ مذهب إسحاق جوازُ أخْذ المعاوضة على الضمان؛ لأنَّ قوله: ما أعطاه من شيء فهو حسن يدخُل - كما قلنا - في باب المكافأة غير المشروطة، وليس على سبيلِ المعاوضة، وإذا كانتِ المكافأة على القرْض مِن غير شرْط ولا عُرْف مقبولة، فكيف بالضمان، فتأمَّلْ!

ويُؤيِّد ذلك أنَّ ابن المنذر - رحمه الله - قال في المسألة: أجْمَع مَن نحفظ عنه مِن أهل العلم على أنَّ الحمالة بجُعْل يأخذه الحميلُ، لا تحل ولا تجوز، ثم نقَل عبارة الإمام إسحاق، فلو كان رأيُ الإمام إسحاق خارقًا للإجماع ما صحَّ مِن ابن المنذر أن يحكيَ الإجماع في الوقت الذي ينقُل فيه الخلافَ عن إسحاق والثوري، فصحَّ أنَّ رأي إسحاق محمولٌ على رأي آخَرَ لا يخرِق الإجماع، وهو المكافأة على الضمان.

وأما نقل الماوردي لمذهب إسحاق فلم ينقل لنا عبارةَ الإمام إسحاق، وإنما نقَل فَهْمه لعبارة إسحاق، جاء في الحاوي: "فلو أمرَه بالضمان عنه بجُعْل له لم يجز، وكان الجُعل باطلاً، والضمان إنْ كان بشرط الجُعْل فاسدًا، بخلاف ما قاله إسحاق بن راهويه".

وهذه العبارة ليستْ صريحة؛ لأنَّ كلمة "بخِلاف ما قاله إسحاق" راجعةٌ إلى المسألة المتأخِّرة، فالماوردي قد ذَكَر مسألتين:المسألة الأولى: بُطلان الجُعل وحْده دون الضمان، إذا كان الجُعْل غيرَ مشروط في الضمان.

المسألة الثانية: بطلان الضمان مع الجُعْل إذا كان الضمانُ بشرط الجُعل، وهي التي أعقَبها بمذهب إسحاق، فقوله: "بخلاف ما قاله إسحاق" يُفهم منه رجوعُ الكلام إلى المسألة الأخيرة، وأنَّ إسحاق يرى عدمَ بطلان الضمان إذا كان بشَرْط الجُعْل، وإنما يفسد الجُعْل وحْده، والكلام يحتمله جدًّا، وهو قولُ الثوري كما نقلتُ ذلك عنه قبلَ قليل.

وإذا كان كلام إسحاق محتملاً، فإنَّه لا يُترك الإجماع المتيقَّن لعبارة محتملة، بل يُحمل كلام الإمام إسحاق على ما يُوافق الإجماعَ إذا كان تأويلُ الكلام يحتمله بدون تكلُّف، وهو ما أراه هنا، خاصَّة بعدَ أن وقفنا على عبارةِ الإمام إسحاق بنصٍّ عالٍ جدًّا في مسائله رواية تلميذه بلا واسطة، فهي مُقدَّمة بكلِّ حال على فهم الماوردي وغيره لو سُلِّم هذا الفَهْم، والله أعلم.

الدليل الثاني:
أنَّ الضمان قد يؤول إلى أن يكون قرضًا جرَّ نفعًا؛ وذلك أنَّه في حال أداء الضامن للمضمون له يكون الضامنُ مقرِضًا للمضمون عنه، وبهذا يكون ما أخَذَه من عمولة من قَبيل القرْض الذي جرَّ نفعًا، وهذا من الربا.

جاء في "المغني": "لو قال: اقترضْ لي من فلان مائة ولك عشرة، فلا بأس، ولو قال: اكفلْ عني ولك ألفُ، لم يجُز؛ وذلك لأنَّ قوله: اقترضْ لي ولك عشرة، جُعَالة على فِعل مباح، فجازتْ، كما لو قال: ابنِ لي هذا الحائط ولك عشرة، وأما الكفالة، فإنَّ الكفيل يلزمه الدَّين، فإذا أدَّاه وجَب له على المكفول عنه، فصار كالقرْض، فإذا أخذ عوضًا صار القرْضُ جارًّا للمنفعة، فلم يجز".

ونوقش هذا:
بأنَّ هذا الاستدلال وجيهٌ لو كان التكييفُ الفِقهي للأجر على الضمان بأنَّه عوضٌ عن الدَّين المكفول به إذا أدَّاه الضامن لربِّ الدَّين، أما إذا كان العوضُ في الضمان عنِ الالتزام بالدَّين، سواء أدَّاه الكفيل فيما بعدُ أم أدَّاه المكفول، فلا يقال: إنه قرْضٌ جر نفعًا؛ وذلك أنَّ الكفالة بالمال فيها ثلاثة أمور:
 التزام الكفيل بالدَّين أو المطالَبة به.
 أداء الكفيل الدَّين المكفول به إلى ربه.
 رجوع الكفيل على المكفول بما أدَّى عنه إنْ وقَع ذلك.

فأخْذُ العوض إنما هو في مقابلِ الالتزام، وليس في مقابلِ أداء الكفيل للدَّيْن؛ بدليل أنَّ العوض مستحقٌّ مطلقًا، سواء أدَّى الكفيل الدَّين أو أدَّاه صاحبُه، فلو قام المكفول بأداء دَيْنه للمكفول له بَرِئت ذِمَّته منه، ولم تنشأ مداينةٌ أصلاً بيْنه وبيْن الضامن، وعندئذٍ فلا حرَجَ شرعًا في استحقاقِ الضامن الجُعْلَ المشروط عوضًا عن مجرَّد الالتزام بالدَّين؛ لانتفاءِ الرِّبا وذرائعه وشبهته، جاء في "الهداية" في تعريف الكفالة، قال: "هي ضَمُّ الذِّمَّة إلى الذِّمة في المطالبة، وقيل: في الدَّين، والأول أصح".

وعلَّل الحنفيةُ ذلك بتعاليلَ، منها:
أنَّ الكفالة كما تصحُّ بالمال تصحُّ بالنفس، مع أنَّ الكفالة بالنفس لا يوجد فيها دَين، وإنما فيها مُجرَّد الالتزام.

ولأنَّه لو ثبَت الدَّين في ذِمَّة الكفيل، ولم يبرأ الأصيلُ، صار الدَّين الواحد دَينَين.

ويُجاب بثلاثة أجوبة:
الجواب الأول:
لو قلنا بانفكاكِ أخْذ العوض على الالتزام بالدَّيْن عن تحمُّل الدين نفسه، لقُلْنا بجواز أخْذ العوض على الالتزام بالقرْض في حالةِ الوعد الملزم بالقرْض وانفكاكه عن القرْض نفسه، وهذا لا قائلَ به.

فلا يمكن القولُ بأنَّ الالتزام بالدَّين مُنفكٌّ عن الدَّيْن؛ إذ لا يوجد التزامٌ بالدين بلا وجودِ دَيْن؛ لأنَّ الالتزام فرعُ الدَّين، فلا يتصور الفرْع بدون الأصل، فلزِم مِن ثبوت الالتزام بالدَّين ثبوتُ الدَّين في ذِمَّة الكفيل، وأخذ العوض عِن الالتزام بالدَّين، هو عينُ أخْذ العوض عن أداء الدَّين؛ لأنَّ الالتزامَ فرْع الدَّين.

الجواب الثاني:
أنَّ الإسلام لم يُحرِّم الرِّبا الصريح فقط، بل حرَّم كلَّ طريق يؤدِّي إليه، فقد حرَّم العِينة، مع أنَّ البيع الثاني قد لا يكون مشروطًا في البيع الأول، وقد يقع ذلك مِن غير اتِّفاق؛ وإنما حَرَّم ذلك خشيةَ أن يُؤدِّيَ ذلك إلى الربا الصريح، وعندما نهى الشارعُ عن الجمْع بين سلَف وبيع، حرَّم ذلك لئلاَّ يكونَ هناك محاباةٌ في البيع، فيكون النفع مِن القرض مستترًا في عقد البيع، مع أنَّه في البيع المنفرِد له أن يُحابي مَن يشاء؛ لعدمِ الوقوع في المفسدة، فكذلك الشأنُ هنا، فإذا كان ذلك قد يُؤدِّي إلى أن يَنتفعَ الضامن بسببِ القرْض قَطَع الشارع الطريقَ إلى ذلك، والله أعلم.

الجواب الثالث:
أنَّ أخْذَ العوض على الضمانِ إذا لم يؤدِّ إلى إقراض المضمون عنه، فإنَّه مِن أكْل أموال الناس بالباطل؛ لأنَّه مالٌ أُخِذ دون مقابل، وهذا لا يجوز.

جاء في "الشرح الصغير": "وعِلَّة المنع أنَّ الغريم إذا أدَّى الدَّين لربه كان الجُعل باطلاً، فهو مِن أكل أموال الناس بالباطل، وإنْ أدَّاه الحميلُ لربه ثم رجَع به على الغريم، كان مِن السَّلَف بزيادة..".

وجاء في "الحاوي": "الجُعل إنما يُستحَقُّ في مقابل عمل، وليس الضمان عملاً، فلا يستحقُّ به جُعلاً".

ويناقش:
بأنَّ الضمان له قِيمة شرعية، فالمال ليس محصورًا في الأعيان فقط، وإنما يشمل الأعيانَ والمنافع، والضمان مشتملٌ على منفعة مقصودة، بدليل حديث: ((الخراج بالضمان))، وهو حديثٌ حسن، وقد دلَّ هذا الحديثُ بأنَّ الضمان له قِيمة مالية، فقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الخراج)) يُراد به: ما يَخرُج ويُحصَّل مِن غَلَّة لعيْن، وذلك بأنْ يشتري الرجل سلعة، فيستغلها زمنًا، ثم يظهر أنَّ السلعة مستحقَّة لآخر، فيتبيَّن أنَّ العقد باطل، فيجب عليه ردُّ العين، وأخْذ الثمن، ويكون للمشتري ما استغلَّه؛ لأنَّ المبيع لو تَلِف في يده لكان مِن ضمانه.

وقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((بالضمان)) الباء سببية؛ أي: إنَّ استحقاق الخراج كان بسببِ الضمان، وهذا التَّلَف احتمالي، وقد يكون نادرًا، ومع ذلك فالخراجُ مُستحَقٌّ له بسبب أنَّه شغَل ذِمَّتَه بالضمان لهذا الخطر الاحتمالي النادر، وهو ضمانٌ مجرَّد ما دام أنَّ السلعة قد تبين - وهو يردُّها - أنها لم ينقصْها شيء.

ومع قولي ذلك، فإنَّ الخراج بالضمان مشروطٌ بألاَّ يترتَّبَ على ذلك محظورٌ شرعي؛ مِن كون أخْذ العوض على الضمان يؤدِّي إلى قرْضٍ جرَّ نفعًا، فإذا لم يؤدِّ إلى ذلك فلا أرى مانعًا مِن أخذ العوض عليه كما سيتضح ذلك - إنْ شاء الله تعالى - عندَ الكلام على القول الراجِح.

الدليل الثالث:
أنَّ الضمان والجاه والقرْض مِن صِنف القُرَب وأبواب المعروف التي لا تُفعل إلا لله، فلا يجوز أخذُ العوض عليه.

جاء في "الشرح الكبير": "وأمَّا صريح ضمان بجُعْل، فلا خلافَ في منعه؛ لأنَّ الشارع جعَل الضمان والجاه والقرْض لا تُفعل إلا لله تعالى، فأخْذُ العوض عليها سُحْت".

ويناقش:
أما ما نقله الدردير - رحمه الله - مِن أنَّ الضمان والجاه والقرض لا تُفعل إلا لله، فنأخذُها واحدًا واحدًا:
أمَّا القرْض، فإنه يجوز أن يُفعل لله، ويجوز أن يفعل لغيرِ وجه الله، ولكن لا يجوز أخذُ العوض عن القرْض؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي إلى الربا.

فقد روى مالك في الموطأ بلاغًا عن عبدِالله بن عمر - رضي الله عنهما - أنه قال: السَّلَف على ثلاثة وجوه: سَلَف تُسلفه تريد به وجهَ الله، فلك وجهُ الله، وسلف تسلفه تريد به وجهَ صاحبِك، فلك وجهُ صاحبك، وسلف تسلفه لتأخذَ خبيثًا بطيِّب، فذلك الرِّبا...

والأثر ضعيف، ومعناه صحيح، وإذا كان القرْضُ يجوز ألاَّ يُراد به وجه الله، كما لو أراد المقرضُ بذلك وجهَ صاحبه، فالضمانُ يجوز ألاَّ يراد به وجهُ الله مِن باب أولى.

وأمَّا أخْذ العوض عن الجاهِ، ففيه خلافٌ بيْن أهل العِلم، وقد رجَّح الإمام أحمد - رحمه الله - جوازَ أخْذ العوض عنه مطلقًا، ومنهم مَن أجازه إنْ بذَل فيه مجهودًا ولو يسيرًا، وسيأتي مزيدُ كلام عليه ضِمنَ أدلَّة المجيزين، فيؤجَّل الكلام عليه.

والقول بعدم جوازِ أخْذ العوض عن المعروف والقُرَب، فيه نظَر؛ فقد صحَّ عنِ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - جوازُ اشتراط الأجْر على الرُّقية بالقرآن، وهي قُرْبة من القُرَب، وصحَّ في الصحيحين.

وتعليم القرآن قُرْبة، وقد جعَله صَداقًا للمرأة في مقابلِ منفعة بُضْع المرأة، وهو عَرَض دنيوي.

الدليل الرابع:
استدلَّ المانعون بأنَّ الأصل في الكفالة أنَّها مِن عقود التبرُّعات، واشتراط الجُعْل فيها للضامن يُخرجها من بابِ التبرُّعاتِ إلى المعاوضات، فكان ذلك غيرَ جائز.

وقد ناقش ذلك الدكتورُ نزيه حماد، وبيَّن أنَّ الفقهاء قد اختلفتْ تفسيراتهم بقولهم: إنَّ الكفالة تبرُّع، وذلك على اتجاهين:
الاتجاه الأول:
فسَّر التبرُّعَ بأن الكفيل متبرِّعٌ لا بالالتزام فحَسْبُ، وإنما بالمال الذي دفَعَه نيابةً عن المكفول، كما فعَل أبو قتادة - رضي الله عنه - في كفالته لدَيْن المتوفَّى حين امتنَع النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - عنِ الصلاة على الميِّت، فإنه لو كان يستحقُّ الرجوعَ لكانتْ ذِمَّة الميت مشغولةً بدَينها كاشتغالها بدَيْن المضمون له.

وتفسير الضمان بأنَّه تبرُّعٌ بأداء الدَّين غيرُ صحيح، فإنَّ جماهير العلماء يقولون بأنَّ الكفيل إذا أدَّى الدَّين بأمرِ المكفول، أو أدَّاه بنية الرجوع، فإنَّ له أن يرجع، ولا يُعتبر بهذه الحال متبرِّعًا.

جاء في "فتح العزيز": "واعلمْ أنَّ القول بكون الضمان تبرُّعًا إنما يظهر حيثُ لا يَثبُت الرجوع، فأمَّا حيث ثبَت فهو إقراض، لا محْض تبرُّع".

الاتجاه الثاني:
أنَّ المراد بالتبرُّعِ أن يكون متبرِّعًا بالالتزام، وليس بما يُؤدِّي مِن مال، وهذا الاتجاه ظاهرٌ في كلام الجمهور.

قال ابن قُدامة في تعريف الضمان: بأنه "تبرُّعٌ بالتزام مال".

وعلى فرْض أنَّ الضمان الأصلُ فيه التبرُّع، فإنَّ التبرُّعَ ليس ضربًا لازمًا، فإنَّه يجوز أن يُعطِي الضامن الضمانَ ويُريد به التبرُّع، ويجوز له ألاَّ يُريد به ذلك، فالهِبة - وهي أساسُ عقود التبرُّعاتِ - قد أجاز الجمهورُ فيها العوض، وهو ما يُعرَف بهِبة الثواب.

يقول ابن رشد: "وأما هبة الثواب، فاختلفوا فيها، فأجازها مالك، وأبو حنيفة، ومنعَها الشافعي، وبه قال أبو داود وأبو ثور".

فإذا صحَّ ذلك في الهِبة، وهي أصلُ تصرُّفات التبرُّع، ففي سواها يَنبغي أن يكون الشأن أجوز.

ويناقش:
الهبة لو ترتَّب عليها محظورٌ شرعي مُنِعت، كما لو أُعطيت الهبةُ قَبل الوفاء بسبب القرْض، فكذلك أخْذُ العوض على ضمانِ الديون إنما يحرُم؛ لأنَّه يؤدِّي إلى الوقوع في الربا.

دليل مَن قاليجوز أخذ العوض على الضمان:
الدليل الأول:

لا يُوجد دليلٌ صحيحٌ صريحٌ مِن كتاب أو مِن سُنَّة يُحرِّم أخذ العوض على الضمان، ولا يوجد محظورٌ شرعي في أخْذ العوض على الضمان، كما لا تُوجد مصلحةٌ شرعيةٌ في تحريمه، بل إنَّ المصلحة في إباحته وحِلِّه، وصحَّته، والأصلُ في المعاملات الإباحةُ والصحَّة، ولا يحرُم منها إلا ما يقوم الدليلُ الخاص على تحريمه.

ويناقش:
بأنَّ المعترض يرى أنَّ الإجماع قد قام على تحريمِ أخْذ العوض على الضمان، خاصَّة في الضمان إذا كان يؤول إلى القرْض، ولم يكن مستندُ القائلين بالتحريم هو العُرْف، بل نصُّوا على أنَّ ذلك يؤدِّي إلى الوقوعِ في الربا، نعمْ بعض التعاليل في التحريم لم تكن قويَّة، كالتعليلِ بأنَّ الضمان معروفٌ يُقصَد به القربة، أو أنه تبرُّع، ولكنْ ردُّ بعض هذه التعاليل لا يَحمِل الباحثَ على ردِّ كلِّ التعاليل؛ لأنَّ التعليلَ بالوقوع في الربا ظاهر.

ولم ينقُلِ المستدلُّ بالجواز عن أحدٍ من أهل العلم المتقدِّمين القولَ بالجواز حتى يمكن النظرُ فيه، وليستْ هذه المسألة مِن النوازل حتى يُعتبَر خلافُ المتأخر، وإنما هي معاملةٌ قديمة قد تَكلَّم فيها الفقهاء، ولا يجوز الخروجُ عن إجماعهم.

الدليل الثاني:
القياس على جواز أخْذ العوض على الجاه، فإذا جاز أخذُ العوض على الجاه جاز أخذُ العوض على الضمان؛ لأنَّ الجاه شقيقُ الضمان.

وقد ذهَبَ الحنابلة والشافعية إلى جوازِ أخْذ العوض على الجاه مطلقًا.

جاء في "المغني"،: "لو قال: اقترضْ لي مِن فلان مائة ولك عشرةٌ، فلا بأس... لأنَّ قوله: اقترضْ لي ولك عشرة، جُعالة على فِعْل مباح، فجازتْ، كما لو قال: ابنِ لي هذا الحائط ولك عشرة".

وفي مذهب المالكية لهم تفصيلٌ في أخْذ العوض على الجاه:
جاء في "المعيار": "سُئِل أبو عبدالله القوري عن ثمنِ الجاه، فأجاب بما نصُّه: اختلَف علماؤنا في حُكم ثمن الجاه، فمِن قائل بالتحريم بإطلاق، ومِن قال بالكراهة بإطلاق، ومِن مُفصِّل فيه: وأنه إنْ كان ذو الجاه يحتاج إلى نفقة أو مشقَّة، أو مسعًى، فأَخَذَ أجْرَ مثله، فذلك جائز، وإلا حرم".

ولا شكَّ أنَّ الضمان اليوم - خاصَّة الضمان المصرفي - يحتاج إلى نفقة ومشقَّة، حيث أصبح الضمانُ اليوم له مؤسَّساته القائمة، والتي يُنفَق عليها الأموالُ الطائلة باستخدام أحدثِ الأساليب الفنيَّة والتنظيميَّة، وأحْدث الأدوات والآلات لتوفيرِ متطلَّبات الدقَّة والسرعة، وتوظيف الطاقات مِن الرجال الأَكْفَاء القائمين على إدارة مِثل هذه الخِدْمات، فأخذُهم الأجرَ على الضمان مقابلَ ما أنفقوه مِن أموال وجهود مع زيادةِ رِبْحٍ يليق بمِثْل هذا العمل، ويدفعهم للاستمرارِ فيه - مِن الأمور الجائزة.

ويناقش:
لا شكَّ عندي أنَّ جواز أخْذِ العوض على الجاه دليلٌ على جواز أخْذ العوض على الضمان في حالِ لم يؤدِّ أخذُ العوض على الضمان إلى قرْضٍ جرَّ نفعًا؛ لأنَّ أخذ العوض على الجاهِ لا يؤول إلى أخْذِ زيادة على القرْض؛ لأنَّه ليس فيه مدينٌ أصلاً.

وأمَّا حاجةُ الناس اليوم إلى الضمان، وخاصَّة الضمان المصرفي، فإنَّ فيه مخرجًا شرعيًّا لقيام مِثل هذه المصلحة، وهو أن يكون الضمان مغطًّى، سواء قلنا: إنَّ العقد في هذه الحال وكالة، وأخْذ الأجْرِ على الوكالة لا حرَج فيه، أو قلنا: إنَّ العقد هو عقدُ ضمان، ولكنَّه لا يؤول إلى قرْض، فلا يُخشَى منه الوقوعُ في الربا.

الدليل الثالث:
أجاز الحنفيةُ والحنابلة أخْذَ الرِّبح مقابلَ الضمان، حيث أجازوا شركةَ الوجوه، وهي شركةٌ على الذِّمم مِن غير صَنْعة ولا مال، حيث يتعاقد اثنانِ فأكثر بدون رأس مال على أن يشتريَا نسيئة، ويبيعَا نقدًا، ويقتسمَا الرِّبح بينهما بنسبةِ ضمانهما للثمن، ويتخرَّج على مذهبهم أنَّه لو اشترَك وجيهٌ مع آخَر على الضمان، والربح مناصفةً، ولم يشترِ الثاني ولم يبِعْ شيئًا، فإنه يستحقُّ الربح لمجرَّدِ الضمان (الذي هو مجرَّد التزام مال في الذِّمَّة) بدون بذْل مال أو عمل، وقد جاء في مجلَّة الأحكام العدلية: "استحقاقُ الرِّبح في الوجوه إنما هو في الضمان".

ويناقش:
بأنَّ الضامن لو دخَل شريكًا للمضمون عنه، وصار شريكًا في الأرباح والخسائر، فإنَّه لا حَرَجَ في ذلك، وإنما الحرَجُ في أخْذ العوض في مقابل الضمان، سواء رَبِح المضمون عنه أو خسِر، فإنَّ ذلك يترتَّب عليه محذورٌ شرعي في حال قام الضامن بالسداد، وكما لو قال: اضمنِّي وأضمنك؛ لأنَّه في الحالتين يؤول إلى قرْضٍ جرَّ نفعًا، وعليه يحمل الإجماعُ الوارد عن الفقهاء.

دليل مَن قاليجوز أخذ العوض على الضمان بشرْط أن يكون مغطًّى كله أو بعضه:

القول بهذا التفصيل بناءً على أنَّ خطاب الضمان إنْ كان بغطاء كُلِّي فهو وكالة، أو كان بغطاء جُزئي فهو ضمان ووكالة، ويجوز أخْذُ الأجر على الوكالة، وإنْ كان بغير غطاء، فهو كفالة (ضمان)، ولا يجوز أخْذُ العِوض على الكفالة.

وقد ناقشتُ هذا القولَ عندَ الكلام عن التكييف الفِقهي لخطاب الضمان المصرفي، وبيَّنتُ أنه قولٌ مرجوح.

الراجح من الخلاف:
أرى أنَّ أخْذَ العوض على الضمان إذا لم يترتَّبْ على ذلك محظورٌ شرعي، لا مانعَ مِن جوازه، وإذا ترتَّب على ذلك محظورٌ شرعي مُنِع لا مِن أجل الضمان؛ ولكن لأنَّ المعاملة تؤدِّي إلى الوقوع في ذلك المحظور، كما لو كان الضمانُ للدَّيْن، فإنه قد يُؤدِّي إلى أن يكون قرضًا جَرَّ نفعًا في حالِ عجَز المدينُ عن السداد، وأدَّى الضامن الدَّيْنَ نيابةً عن المضمون.

ويَنبغي أن يكون المنعُ في هذه الصورة محلَّ اتِّفاق بيْن الفُقهاء؛ حيث لم يخالفْ في ذلك أحدٌ مِن العلماء المتقدِّمين، ومَن حكَى من المتأخِّرين جوازَه فهو محجوجٌ بالإجماع، وما حُكِيَ عن إسحاق بن راهويه، فلا أظنُّ أنه يَخرِق الإجماع؛ لعدمِ فَهْم المتأخرين لقول إسحاق، وربما كان العذرُ للمشايخ أنَّهم لم يَقِفوا على عبارة إسحاق، أمَا وقد طُبِع كتاب مسائل الإمام أحمد وإسحاق رواية إسحاق بن منصور، فأعتقد أنَّ كثيرًا منهم سوف يُراجِع قوله، وهذا هو الظنُّ فيهم.

وبناءً على هذا، فيجوز أخذُ العِوض على الضمان إذا كان الضمانُ تبعًا، ولم يكن مُفردًا بالذِّكْر، ولا مخصوصًا بالأجْر، كما لو اشترى الإنسانُ سلعة، وكانتْ مضمونةً لمدة معيَّنة مقابلَ زيادة في القِيمة، فإنَّ الضمان هنا تابع، وليس مستقلاًّ، فلا أرى مانعًا مِن جواز تلك الزيادة مقابلَ الضمان.

كذلك يجوز أخْذُ العوض على الضمان إذا لم يكن ناشئًا عن دَيْن أصلاً، وذلك مِثل تغطية الإصدار في طرْح الاكتتاب، ومثل الضمان في عقودِ التأمين القائم على جبْر الأضرار، فإنَّ الضمان في هذه الصور لم يكن ناشئًا عن دَيْن.

كذلك يجوز أخْذُ العوض على الضمان فيما لو كان الكفيلُ مدينًا للمكفول بمِثل المال المضمون، وهو ما يُسمَّى بالضمان المغطَّى، فإنَّ هذا لا يؤول إلى قرْضٍ جَرَّ نفعًا، سواء سمَّيْنا هذه الصورةَ بالضمان، أو اعتبرناها وكالةً بالدفْع، وإنْ كنتُ أميل إلى اعتبارِ العقد مِن عقود الضمان؛ لأنَّ الضمان في حالة كون قِيمته مغطَّاةً لا يَخرُج عن الضمانِ؛ لسببين:

أحدهما: أنَّ الوكالة عقدٌ جائز، وهذا عقدٌ لازم.

الثاني: أنَّ العَلاقة بيْن المستفيد وبين البنك عَلاقةُ ضمان، وليستْ علاقةَ وكالة، بدليلِ أنَّ المبلغ الذي دفع إلى المصرف لو أنَّه هَلَك بدون تعدٍّ ولا تفريط، لم يَسْقُطْ حقُّ المستفيد، ويبقى البنك مُطالَبًا بالدفع، بينما لو هَلَك المال في يدِ الوكيل بدون تعدٍّ ولا تفريط، لم يكن الوكيلُ مُطالَبًا بالدفع، والله أعلم.

ولا أرى أنَّه يجوز أن يأخذَ البنك عمولةً مِن التاجر مقابلَ ضمان الدَّيْن على حامل البطاقة؛ لأنَّه يؤول إلى قرضٍ جرَّ نفعًا، والله أعلم.

http://www.alukah.net/Web/dbian/10812/30341/