الجمعة، 12 أغسطس، 2011

الذهب .. مرة أخرى



السبت, 20 مارس 2010
جيفري نيكولز المؤسسة الأمريكية لاستشارات المعادن الثمينة - نيويورك

#attachments { display: none; }

إن أداء أسعار الذهب في الآونة الأخيرة، والطلب الفعلي القوي على هذا المعدن في الأسواق العالمية المهمة، والمخاوف بشأن الدين العام الأمريكي، واستمرار خطة التحفيز النقدي الضخمة التي أطلقها مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، والأنباء المتعلقة بالمواقف الطويلة المهمة من جانب كبرى المؤسسات الاستثمارية وصناديق الثروة السيادية، تدل بمجملها على أن الذهب قد يستعيد مسيرته الصعودية طويلة الأجل في المستقبل القريب.


وفي الحقيقة، أعتقد أنه بعد فترة الثلاثة أشهر الأخيرة من تصحيح وتوحيد الأسعار التي بدأت في مطلع ديسمبر من العام الفائت 2009، حينما وصل الذهب إلى سعر لم يصل إليه من قبل، وهو 1227 دولاراً للأوقية، سيبدأ سعر الذهب بالارتفاع من جديد، وقد يسجل مستويات جديدة من الارتفاع بحلول منتصف العام الجاري.



الأداء الأخير للأسعار


لقد حققت أسعار الذهب مستويات ارتفاع قياسية أمام اليورو والجنيه الإستراليني، وهو ما يعكس تراجع الثقة تجاه هاتين العملتين، والإحساس بتنامي مخاطر العجز عن تسديد الديون السيادية في عدد من الدول الأوروبية.


وفي هذه الأثناء، سجل سعر المعدن الذي يسيطر عليه الدولار الأمريكي زيادة قدرها واحد بالمئة في فبراير الماضي، على الرغم من الارتفاع الكبير في أسعار صرف الدولار في أسواق العملة العالمية.


والأهم من ذلك، أن ذلك قد يكون دليلاً على انهيار علاقة الترابط العكسية القائمة بين الذهب والدولار التي اتسمت بها تلك الأسواق في السنوات القليلة الماضية، وربما يمهد ذلك الطريق نحو تسجيل مستويات ارتفاع أخرى في أسعار الذهب، حتى لو واصل سعر صرف الدولار ارتفاعه مقابل العملات الرئيسة الأخرى.
ومن وجهة نظر فنية بحتة، قد يكون من المشجع أن نرى أسعار الذهب وقد حافظت على مستوياتها في مطلع هذا العام، على الرغم من أنها اختبرت مرات عديدة مستوى 1.100 دولار، لتعاود الارتفاع بسهولة في كل مرة، ولتسجل معها مستويات أسعار تزيد على ذلك بقليل. لقد شجع ذلك بعض المضاربين على المدى القصير على تبني رؤية أكثر إيجابية حيال السوق، في حين توقفت عمليات البيع من جانب المؤسسات التجارية الكبيرة، علما أنها كانت أحد الأسباب الذي غذت تدهور أسعار المعدن خلال العام الماضي ومطلع هذا العام.


الطلب القوي في الأسواق الرئيسة


لقد ارتفع الطلب على الذهب من قبل المؤسسات الاستثمارية الأوروبية خلال الشهر الماضي، على الرغم من الارتفاع القياسي في الأسعار المحددة باليورو.
وفي ظل تراجع الثقة في القيمة المستقبلية لليورو والتردد في مواصلة اعتبار الدولار الملاذ الآمن، يحاول بعض الأوروبيين التحول إلى الذهب كملاذ آمن نهائي.


وشهدت الهند التي تعد من الناحية التاريخية أكبر الجهات المستهلكة للذهب، طفرة قوية في استثمارات وواردات الذهب في يناير وفبراير الماضيين.
ومنذ بضعة أسابيع خلت، لاحظنا أن واردات الهند من الذهب خلال يناير وصلت إلى 60 طناً، بهامش طفيف من الزيادة أو النقصان.
وتشير التقارير حالياً إلى أن واردات هذا البلد خلال فبراير ستكون قوية جداً أيضاً.
وربما تكون التقديرات الصادرة من مؤسسة مومباي للسبائك الذهبية التي تتوقع من خلالها استيراد كمية تتراوح بين 30 و35 طناً، أقل من التقديرات الحقيقية، كما تكون في كثير من المرات، لكن الواردات الفعلية قد تقترب مرة أخرى من مستوى 60 طناً، وهي الكمية التي استوردتها الدولة في يناير.


وتشير بعض الدلائل إلى ارتفاع الطلب في الصين على الاستثمار في الذهب.
كما تظهر دول أخرى، مثل تايلاند وفيتنام وتايوان وأسواق شرق آسيا الأخرى المستهلكة للذهب اهتماماً متزايداً تجاه المعدن الأصفر، حيث يعد الذهب في تلك الدول من وسائل الادخار التقليدية كما هي الحال في الصين.
ويلعب الانتعاش الاقتصادي القوي في الصين وزيادة نمو دخل الأسرة دوراً في ارتفاع الطلب على الاستثمار، بالإضافة إلى شراء المجوهرات.
وفي ذات الوقت، فإن ارتفاع سعر المحصولات الزراعية يشجع على الطلب الإضافي للذهب كنوع من التحوط في ظروف التضخم.
وعلاوة على ذلك، شاعت أخبار منذ أسابيع قليلة مضت أن صندوق الثروة السيادية الصيني، والمتمثل في مؤسسة الاستثمار الصينية، اشترى مؤخراً بضعة أطنان من الذهب، وهو ما ينظر إليه بالتأكيد على أنه تعزيز رسمي للاستثمار في الذهب من قبل سلطات النقد الصينية.


وكان هناك تراجع كبير في إمدادات إعادة المعالجة أو التدوير التي تعتمد على المجوهرات القديمة والسبائك الاستثمارية في المنطقة التي تمتد من دول الخليج العربي، وتحديداً في السعودية والإمارات، وغيرهما من دول المنطقة، وصولاً إلى الهند وجنوب شرق آسيا وحتى الصين.
ويعكس هذا بالتأكيد النظرة الإيجابية تجاه الذهب من قبل المستثمرين في تلك البلدان، لكنه أيضاً يعكس تحسن الظروف الاقتصادية وتراجع عمليات البيع المدفوعة بهواجس الخلف من قبل البعض.


التحفيز النقدي الهائل


على الرغم من الارتفاع الأخير في سعر الخصم الذي يوفره المجلس الاحتياطي الفيدرالي، «وهو سعر الإقراض من قبل المجلس الفيدرالي إلى البنوك»، فإن البنك المركزي الأمريكي لا يزال يطبق سياسة شديدة الصرامة، وحسب وجهة نظري الشخصية، أرى أن هذه السياسة النقدية تهدف إلى تحقيق التضخم كهدف نهائي.


وفي شهادته التي أدلى بها الأسبوع الماضي أمام الكونغرس، أكد رئيس المجلس بن برنانكي مجدداً عزم البنك المركزي المحفاظة على أسعار فائدة منخفضة لفترة طويلة.


وهناك مؤشر نقدي آخر، وهو أن الأساس النقدي «العملة المتداولة بالإضافة إلى الاحتياطات الموجودة لدى المصارف»، قد ارتفع بمعدل يقترب من مستوى 90 مليار دولار في الأسبوعين اللذين انتهيا في الرابع والعشرين من فبراير.
أي بمعدل نمو سنوي يبلغ 200 بالمئة، كما يدل ذلك على أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يضخ السيولة في الاقتصاد بالقوة والسرعة الممكنة.

وعلى المدى الطويل، فإن القوة الشرائية للدولار الأمريكي وتضخم الأسعار الاستهلاكية يعكسان حجم المال المتاح للتداول.
وتقول مصادر مجلس الاحتياطي الفيدرالي إن التضخم ليس مشكلة، بسبب ارتفاع الفائض، «الموارد الإنتاجية غير المستخدمة» في كل القطاعات الاقتصادية.



لكن حتى في غياب النشاط الاقتصادي القوي والاستفادة من الإمكانات بنسبة بسيطة، من الممكن أن تكون هناك معدلات مرتفعة للتضخم. وقد تكون هناك حاجة إلى العودة بالذاكرة إلى سبعينات القرن الماضي، وهو عقد التضخم الركودي في الولايات المتحدة، وذلك لنرى أن زيادة طباعة العملة يؤدي إلى تضخم كبير في الأسعار حتى لو ظل النشاط الاقتصادي ضعيفاً.


دين الخزانة الأمريكية


كما هو الحال في سبعينات القرن الماضي، تبدو البنوك المركزية الأجنبية والمؤسسات الاستثمارية، و«هي المالكة والمشترية الأساسية لدين الخزانة الأمريكية»، مترددة بشكل كبير للمضي قدماً في مواقعها الحالي، ناهيك عن تعزيز محافظها المتخضمة أصلاً بسندات الخزانة قصيرة الأجل والأوراق النقدية متوسطة الأجل والسندات طويلة الأجل. وفي الحقيقة شهد المزاد الأخير للخزانة مشاركة ضعيفة جداً.
وهذا يدل على أن وزارة الخزانة ستضطر قريباً لدفع أسعار فائدة عالية، لتعويض المشترين عن الخطورة المتزايدة التي يرونها في التعامل مع الأوراق الحكومية الأمريكية، أو ربما تلجأ إلى مجلس الاحتياطي الفيدرالي كملاذ أخير من بين المشترين.


وبمعنى آخر، بدلاً من الاقتراض لتمويل ديننا الوطني، سيضطر الاحتياطي الفيدرالي لتنقيد جزء كبير من العجز السنوي الأمريكي من خلال طباعة كمية جديدة من الأموال، ويكون ذلك بالضرورة على شاكلة «التسهيل الكمي»، أي قيام المجلس الاحتياطي الفيدرالي بشراء دين حكومي أو وكالة أو رهن أو أي دين آخر، وذلك بهدف تنشيط النمو الاقتصادي، لكن بدلاً من تحقيق هذا النمو يحتمل أن يقود ذلك إلى انخفاض قيمة العملة وتسريع التضخم.

للتواصل مع الكاتب: j.nicholas@alrroya.com
http://www.alrroya.com/node/64209